عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "لو يُعطَى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ أموالَ قوم ودماءهم، لكن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على مَن أنكر" حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين.
١ حديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١)، وأكثره في الصحيحين، والذي ليس فيهما: "البيِّنة على المدَّعي"، لكن ثبتت هذه الجملة فيهما من حديث الأشعث بن قيس عند البخاري (٤٥٥٠)، ومسلم (١٣٨) في قصة له مع ابن عمٍّ له، قال له النَّبيُّ ﷺ: "بيِّنتك أو يَمينه".
٢ قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين: "وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، ويقتضي أن لا يُحكم لأحد بدعواه"، وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ فيه أنَّه لو أجيب كلُّ مدَّع على غيره شيئًا لأدَّى ذلك إلى ادِّعاء أموال الناس ودمائهم، لكن النَّبيَّ
[ ١١٤ ]
ﷺ أوضح ما يكون فيه الفصل بين الناس في ذلك، وهو طلب البيِّنة من المدَّعي، وهي كلُّ ما يبين الحقَّ ويدلُّ عليه، من شهود أو قرائن أو غيرها، فإذا أتى بالبيِّنة قُضي بها على المدَّعَى عليه، وإن لم توجد البيِّنة طُلب من المدَّعَى عليه اليمين، فإن حلف برئت ساحتُه، وإن نكل عن اليمين قُضي عليه بالنُّكول، وأُلزم بما ادَّعاه عليه خصمُه، وقال النووي في شرح الأربعين: "إنَّما كانت البيِّنة على المدَّعي؛ لأنَّه يدَّعي خلاف الظاهر، والأصل براءة الذِّمَّة"، ثم ذكر أنَّه يُستثنى مسائل كثيرة يُقبل فيها قول المدَّعي بلا بيِّنة، منها دعوى الأب حاجته إلى الإعفاف، ودعوى السفيه التَّوَقان إلى النكاح مع القرينة، ودعوى خروج المرأة من العدَّة بالأقراء ووضع الحمل، ودعوى الطفل البلوغ بالاحتلام، ودعوى المودع تلف الوديعة أو ضياعها بسرقة ونحوها، والمدَّعي هو الطالب الذي لو سكت تُرك، والمدَّعَى عليه هو المطلوب الذي لو سكت لم يُترك، قال ابن المنذر كما في جامع العلوم والحكم (٢/٢٣٠): "أجمع أهل العلم على أنَّ البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعَى عليه، قال: ومعنى قوله: (البيِّنة على المدَّعي) يعني: يستحقُّ بها ما ادَّعى؛ لأنَّها واجبة عليه يؤخذ بها، ومعنى قوله: (اليمين على المدَّعَى عليه)، أي: يبرأ بها؛ لأنَّها واجبة عليه، يؤخذ بها على كلِّ حال".
٣ وكما أنَّ المدَّعي عليه البيِّنة فيما يدَّعيه من الأمور الدنيوية، فإنَّ على المدَّعي البيِّنة في الأمور الأخرويَّة، فمَن ادَّعى محبَّةَ الله ورسوله ﷺ يكون صادقًا في دعواه إذا اتَّبع الرسول ﷺ، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كلِّ مَن
[ ١١٥ ]
ادَّعى محبَّة الله وليس هو على الطريقة المحمَّدية، فإنَّه كاذب في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمَّدي والدِّين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبَّتكم إيَّاه، وهو محبَّته إيَّاكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنَّما الشأن أن تُحَبَّ، وقال الحسن البصري وغيرُه من السلف: زعم قومٌ أنَّهم يُحبُّون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية".
٤ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ اشتمال الشريعة على حفظ أموال الناس ودمائهم.
٢ بيان الرسول ﷺ الطرق التي يُفصَل فيها بين المتخاصمين.
٣ إذا لم يُقرَّ المدَّعى عليه، فإنَّ على المدَّعي إقامة البيِّنة على دعواه.
٤ إذا لم تُقم البيِّنة حُلِّف المدَّعى عليه وبرئت ساحتُه، وإن لم يحلف قُضي عليه بالنُّكول.
[ ١١٦ ]