عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّ الإسلام، وحسابُهم على الله تعالى" رواه البخاري ومسلم.
١ قوله: "أُمرت" الآمرُ لرسول الله ﷺ هو الله؛ لأنَّه لا آمر له غيره، وإذا قال الصحابي: أُمرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا، فالآمر والناهي لهم رسول الله ﷺ.
[ ٤٦ ]
٢ لَمَّا توفي رسول الله ﷺ، واستُخلف أبو بكر ﵁، وارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب، وامتنع مَن امتنع من دفع الزكاة، عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم؛ بناءً على أنَّ من حقِّ الشهادتين أداء الزكاة، ولم يكن عنده الحديث بإضافة الصلاة والزكاة إلى الشهادتين، كما في هذا الحديث، فناظره عمر في ذلك، وجاءت المناظرة بينهما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم (٢٠)، قال: "لَمَّا توفي رسول الله ﷺ، واستُخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناسَ وقد قال رسول الله ﷺ: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمن قال لا إله إلاَّ الله فقد عصم منِّي مالَه ونفسه إلاَّ بحقِّه، وحسابهم على الله تعالى"، فقال أبو بكر: والله! لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله! لو مَنَعوني عقالًا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله! ما هو إلاَّ أن رأيت الله ﷿ قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنَّه الحقُّ".
قال الحافظ في الفتح (١/٧٦): "وقد استبعد قومٌ صحته بأنَّ الحديثَ لو كان عند ابن عمر لَمَا ترك أباه ينازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لَما كان أبو بكر يُقرُّ عمر على الاستدلال بقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله" وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس؛ إذ قال: لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ لأنَّها قرينتُها في كتاب الله، والجواب: أنَّه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضرًا له فقد يحتمل أن لا يكون حَضَر
[ ٤٧ ]
المناظرةَ المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكرَه لهما بعد، ولَم يستدلَّ أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله ﵊ في الحديث الذي رواه: "إلاَّ بحقِّ الإسلام"، قال أبو بكر: والزكاة حقُّ الإسلام، ولَم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزكاة، وفي القصَّة دليلٌ على أنَّ السنَّةَ قد تخفي على بعض أكابر الصحابة ويطَّلع عليها آحادُهم، ولهذا لا يُلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال كيف خَفي ذا على فلان، والله الموفق".
٣ يُستثنى من عموم مقاتلة الناس حتى الإتيان بما ذكِر في الحديث: أهل الكتاب إذا دفعوا الجزية لدلالة القرآن، وغيرهم إذا دفعها لدلالة السنَّة على ذلك، كما في حديث بريدة بن الحُصيب الطويل في صحيح مسلم (١٧٣١)، وأوله: "كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سريَّة أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومَن معه من المسلمين خيرًا.."الحديث.
٤ يكفي للدخول في الإسلام الشهادتان، وهما أوَّل واجب على المكلَّف، ولا التفات لأقوال المتكلِّمين في الاعتماد على أمور أخرى، كالنَّظر أو القصد إلى النظر، قال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث: "وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أنَّ الإنسانَ إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا، لا تردُّد فيه كفاه ذلك، ولا يجب عليه تعلُّم أدلَّة المتكلِّمين ومعرفة الله بها".
[ ٤٨ ]
٥ المقاتلة على منع الزكاة تكون لِمَن امتنع منها وقاتل عليها، أمَّا إذا لم يقاتل فإنَّها تؤخذ منه قهرًا.
٦ قوله: "وحسابهم على الله"، أي: أنَّ مَن أظهر الإسلامَ وأتى بالشهادتين فإنَّه يُعصم ماله ودمه، فإن كان صادقًا ظاهرًا وباطنًا نفعه ذلك عند الله، وإن كان الباطن خلاف الظاهر وكان أظهر ذلك نفاقًا، فهو من أهل الدَّرك الأسفل من النار.
٧ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ الأمر بالمقاتلة إلى حصول الشهادتين والصلاة والزكاة.
٢ إطلاق الفعل على القول؛ لقوله: "فإذا فعلوا ذلك"، ومِمَّا ذكِر قبله الشهادتان وهما قول.
٣ إثبات الحساب على الأعمال يوم القيامة.
٤ أنَّ مَن امتنع عن دفع الزكاة قوتل على منعها حتَّى يؤدِّيها.
٥ أنَّ مَن أظهر الإسلامَ قُبل منه، ووُكل أمر باطنه إلى الله.
٦ التلازم بين الشهادتين وأنَّه لا بدَّ منهما معًا.
٧ بيان عظم شأن الصلاة والزكاة، والصلاة حق البدن، والزكاة حقُّ المال.
[ ٤٩ ]