عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُل خيرًا أو ليصمت، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفَه" رواه البخاري ومسلم.
١ جمع رسول الله ﷺ بين ذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر في هذه الأمور الثلاثة؛ لأنَّ الإيمانَ بالله هو الأساسُ في كلِّ شيء يجب
[ ٦١ ]
الإيمانُ به، فإنَّ أيَّ شيء يجب الإيمان به تابعٌ للإيمان بالله، وأمَّا الإيمانُ باليوم الآخر ففيه التذكير بالمعَاد والجزاء على الأعمال، إن خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ.
٢ قوله: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُل خيرًا أو ليصمت"، هذه كلمةٌ جامعةٌ من جوامع كَلِمه ﷺ، مقتضاها وجوب حفظ اللسان من الكلام إلاَّ في خير، قال النووي في شرح هذا الحديث: "قال الشافعي رحمه الله تعالى: معنى الحديث إذا أراد أن يتكلَّم فليُفكِّر، فإن ظهر أنَّه لا ضرر عليه تكلَّم، وإن ظهر أنَّ فيه ضررًا وشكَّ فيه أمسك، وقال الإمام الجليل أبو محمد بن أبي زيد إمام المالكية بالمغرب في زمنه: جميعُ آداب الخير تتفرَّع من أربعة أحاديث: قول النَّبيِّ ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)، وقوله ﷺ: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وقوله ﷺ للذي اختصر له الوصيَّة: (لا تغضب)، وقوله: (لا يؤمن أحدُكم حتَّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه) "، ونقل النووي عن بعضهم أنَّه قال: "لو كنتم تشترون الكاغَد للحفظة لسكتُّم عن كثير من الكلام".
٣ الخير اسمٌ يُقابله الشر، ويأتي أيضًا"خير"أفعل تفضيل حذفت منه الهمزة، وقد جاء الجمع بينهما في قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾
٤ قوله: "ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه"، حقُّ الجار من الحقوق المؤكَّدة على جاره، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الترغيب في إكرام الجار والترهيب من إيذائه وإلحاق الضرر به، ومنها
[ ٦٢ ]
حديث عائشة ﵂: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنَّه سيُورِّثه" رواه البخاري (٦٠١٤)، ومسلم (٢٦٢٤)، وحديث: "والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! قالوا: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جارُه بوائقَه" رواه البخاري (٦٠١٦)، ومسلم (٧٣) .
وإكرامُه يكون بأن يصل إليه برُّه، وأن تحصل له السلامةُ من شرِّه، والجيران ثلاثة:
جارٌ مسلم ذو قربى، له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام.
وجارٌ مسلم ليس بذي قُربى، له حق الإسلام والجوار.
وجار ليس بمسلم ولا ذي قُربى، له حقُّ الجوار فقط.
وأولى الجيران بالإحسان مَن يكون أقربَهم بابًا؛ لمشاهدته ما يدخل في بيت جاره، فيتطلَّع إلى إحسانه إليه.
٥ قوله: "ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفَه"، إكرامُ الضيف من الحقوق التي للمسلمين على المسلمين، وهو من مكارم الأخلاق، وفي صحيح البخاري (٦٠١٩) من حديث أبي شُريح قال: سمعتْ أذناي وأبصرتْ عيناي حين تكلَّم النَّبيُّ ﷺ، فقال: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفَه جائزته، قيل: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما وراء ذلك فهو صدقة عليه".
٦ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ الترغيب في الكلام فيما هو خير.
[ ٦٣ ]
٢ الترغيب في الصمت إذا لم يكن التكلُّم بخير.
٣ التذكير عند الترغيب والترهيب باليوم الآخر؛ لأنَّ فيه الحساب على الأعمال.
٤ الترغيب في إكرام الجار، والتحذير من إيذائه.
٥ الحثُّ على إكرام الضيف والإحسان إليه.
[ ٦٤ ]