عن جابر بن عبد الله أنَّه سمع رسول الله ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: "إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيتَ شحوم الميتة، فإنَّه يُطلى بها السفن، ويُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: لا! هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ: قاتلَ الله اليهودَ؛ إنَّ الله حرَّم عليهم الشحوم، فأجملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" خرَّجه البخاري ومسلم.
[ ١٤٣ ]
١ قوله: "إنَّ الله ورسوله حرَّم"، جاء لفظ الفعل" حرَّم"بالإفراد، وجاء بالتثنية، وجاء"إنَّ الله حرَّم"، وجاءت التثنية في الضمير الذي يعود إلى الله ورسوله في حديث: "ثلاث مَن كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مِمَّا سواهما " الحديث أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٦٧)، وعلى هذا يُحمل ما جاء هنا من إفراد الفعل"حرَّم"على أنَّه يعود إلى الرسول
ﷺ، ويكون التحريم المضاف إلى الله محذوفًا، والتقدير: إنَّ الله حرَّم ورسوله حرَّم، وهو نظير قول الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، أي: والله أحقُّ أن يُرضوه، ورسوله أحقُّ أن يرضوه، ومثله قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عن دك راض والرأي مختلفُ
أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض.
٢ بيَّن جابر ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يحرِّم هذه الأشياء عام الفتح بمكة، ويكون هذا البيان في هذا الوقت وفي هذا المكان بمناسبة دخول الكفار في الإسلام، وهم يتعاطون هذه المحرَّمات، فأعلمهم أنَّها حرام، وهذا لا يمنع أن يكون تحريمها قد حصل من قبل.
٣ الأول من هذه المحرَّمات الأربع الخمر، وهي أمُّ الخبائث؛ لأنَّ شاربَها يسعى بشربها لإلحاق نفسه بالمجانين، فيحصل نتيجة لذلك أنَّه يقع في كلِّ حرام، وقد يكون من ذلك الاعتداء على المحارم، وهي تجلب كلَّ شرٍّ وتوقع في كلِّ بلاء، ولهذا أُطلق عليها أمُّ الخبائث.
والثانية الميتة، فيحرم أكلها إلاَّ لضرورة إبقاء الحياة حيث لا يجد
[ ١٤٤ ]
غيرَها، ويُستثنى من ذلك جلدها إذا دُبغ؛ لثبوت السنَّة بذلك عن رسول الله ﷺ، رواه البخاري (٢٢٢١)، ومسلم (٣٦٦) .
والثالث: الخنزير، فلا يجوز أكله ولا بيعه، وكلُّ ما يحرم أكله من الدواب فالميتة والمذكَّى منه سواء.
والرابع: الأصنام، فلا يجوز بيعها ولا اقتناؤها؛ لأنَّها صُنعت لعبادتها، بل يجب تحطيمها وكسرها، ولا بأس بالانتفاع بها بعد التكسير في البناء ونحوه؛ لأنَّها لم تبق أصنامًا.
٤ قال الحافظ في الفتح (٤/٤٢٥): "قوله: (أرأيتَ شحوم الميتة، فإنَّه يُطلى بها السفن، ويُدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟) أي: فهل يحلُّ بيعُها لِمَا ذكر من المنافع؛ فإنَّها مقتضية لصحة البيع، قوله: (فقال: لا، هو حرام)، أي: البيع، هكذا فسَّره بعض العلماء كالشافعي ومَن اتَّبعه، ومنهم من حمل قوله: (هو حرام) على الانتفاع، فقال: يحرم الانتفاع بها، وهو قول أكثر العلماء، فلا يُنتفع من الميتة أصلًا عندهم إلاَّ ما خُصَّ بالدليل، وهو الجلد المدبوغ".
٥ قوله: "قاتل الله اليهود؛ إنَّ الله حرَّم عليهم الشحوم، فأجملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه"، هذا من حيل اليهود؛ فإنَّ الله لَمَّا حرَّم عليهم الشحوم أجملوها أي: أذابوها، وباعوها وأكلوا أثمانها، والله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه، ولهذا دعا عليهم رسول الله ﷺ.
٦ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ بيان تحريم النَّبيِّ ﷺ هذه الأمور الأربعة.
٢ بيان النَّبيِّ ﷺ هذا التحريم بمكة عام الفتح؛ ليُبادر الذين أسلموا إلى الامتناع من هذه الأربعة، انتفاعًا وبيعًا.
[ ١٤٥ ]
٣ أنَّ ما حرَّم الله فبيعُه حرام وثمنه حرام.
٤ تحريم الحيل التي يُتوصَّل بها إلى استحلال ما حرَّم الله.
٥ ذمُّ اليهود وبيان أنَّهم أهلُ حيَل للوصول إلى استباحة الحرام.
٦ تحذير هذه الأمَّة أن تقع فيما وقعت فيه اليهود من هذه الحيَل.
[ ١٤٦ ]