١٠٠ - عن جرير ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
١٠١ - عن جرير بن عبد الله ﵄ يقول: بايعت النبي ﷺ على النصح لكل مسلم.
١٠٢ - عن جرير ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة. فلقنني "فيما استطعت" والنصح لكل مسلم.
-[المعنى العام]-
كثيرا ما كان الصحابة يأتون إلى رسول الله ﷺ جماعات ووحدانا يعاهدونه على القيام بواجبات الإسلام، ليكون في ذلك العهد بين يديه قيد ورباط يمنعهم من الانحراف، ويساعدهم على القيام بالطاعة، فالعرب من أبرز صفاتهم الوفاء بالعهد، فإذا أكد الإيمان بالعهد، وأكد الإسلام بالتعهد والالتزام بالقيام بأركانه، كان الدافع دافعين، وأصبح الحرص حرصين: حرص الطاعة والإيمان، وحرص الوفاء بالعهد.
وما زالت هذه المبايعات وسيلة لطاعة كثير من العاصين، وما زالت عهود الصوفية مشايخ الطرق تزجر كثيرا من المريدين عن المعاصي، وتبعث روح الطاعة والمثابرة على العبادة والأوراد.
وكان رسول الله ﷺ يراعي حال المبايع وظروفه، فيبايعه على ما يصلح شأنه وما فيه خيره، ففي بيعة النساء يطلب منهن أن لا يشركن بالله شيئا، لأنهن كثيرا ما يكفرن، ولا يسرقن لأنهن أمينات على أموال الرجال، ولا يزنين، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين في معروف.
وهنا يبايعه جرير على السمع والطاعة لرسول الله ﷺ ولأولي الأمر من المسلمين وعلى أن يقيم الصلاة ويؤدي الزكاة. ولقنه رسول الله ﷺ أن يضم إلى عهده هذا عهدا بأن يحب الخير لكل مسلم، وأن ينصحه بما ينفعه، وأن يحب له ما يحب لنفسه.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وكم وفى جرير بما عاهد عليه الله ورسوله، وكم بالغ في الوفاء، فقد روي أنه كان إذا اشترى شيئا أو باعه يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه، فاختر.
وروى الطبراني أن جريرا أرسل غلامه فاشترى له فرسا بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال الرجل: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فقال جرير: فرسك خير من أربعمائة درهم، أتبيعه بخمسمائة درهم، قال الرجل: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فلم يزل يزيده مائة فمائة، وصاحبه يرضى، وجرير يقول: فرسك خير، إلى أن بلغ ثمانمائة درهم، فاشتراه بها، فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم.
وهكذا كانت عهود المسلمين، وهكذا كان وفاؤهم بها ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ [الفتح: ١٠].
-[المباحث العربية]-
(بايعت رسول الله ﷺ) المبايعة عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبها بالمعاوضة المالية، كأن المعاهد على الطاعة يبذلها في مقابلة الأجر الأخروي، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١].
فالمعنى: عاهدت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
(على السمع والطاعة) لله ولرسوله ولأولي الأمر، عملا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩].
(فلقنني فيما استطعت) أي لقنني عبارة "فيما استطعت" لأقولها بعد عبارة "بايعتك على السمع والطاعة" أي: أسمع وأطيع فيما أستطيع: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وتاء "استطعت" رويت بالضم على أنها للمتكلم جرير، ورويت بالفتح على أنها من كلام النبي ﷺ خطابا لجرير، وكلاهما صحيح.
وعائد الصلة مفعول "استطعت" محذوف.
(والنصح لكل مسلم) معطوف على "السمع والطاعة" وجملة "فلقنني: فيما استطعت" معترضة.
[ ١ / ٢٠٩ ]
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن الصلاة والزكاة أهم أركان الإسلام، بعد الشهادتين لاقتصاره عليهما من بين أركان الإسلام، ولم تذكر الشهادتان في رواية مسلم اعتمادا على أنه مفروغ منهما، وأنه حصل اعتقادهما والنطق بهما، فلا يحتاج الأمر إلى المبايعة عليهما، وقد ذكرتا في رواية البخاري في كتاب البيوع، ولفظها "بايعت رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم".
قال النووي: ولم يذكر الصوم وغيره لدخولها في السمع والطاعة، اهـ.
ويمكن أن يقال: إنه ﷺ أشار إلى العبادات البدنية بالصلاة لتكرارها في كل يوم، وإلى العبادات المالية بالزكاة، فيكون المقصود من ذكرهما أركان الإسلام.
٢ - مدى اهتمام الشارع بالنصح لكل مسلم: إذ جعله ﷺ قرينا للصلاة والزكاة.
٣ - كمال شفقته ﷺ بأمته، إذ لقن جريرا "فيما استطعت" حرصا عليه، فقد يعجز جرير في بعض الأحوال، فيكون مخلا بما التزم.
٤ - وفي الحديث منقبة ومكرمة لجرير ﵁ وأرضاه.
والله أعلم
[ ١ / ٢١٠ ]