١٢٠ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "سباب المسلم فسوق. وقتاله كفر".
وبمثله.
١٢١ - عن جرير ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ في حجة الوداع: "استنصت الناس" ثم قال "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".
وبمثله.
١٢٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع "ويحكم (أو قال. ويلكم) لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".
-[المعنى العام]-
دخل رسول الله ﷺ على مجلس من مجالس الأنصار، وفيه رجل من الأنصار قد عرف بالبذاء ومشاتمة الناس. فقال رسول الله ﷺ: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، فقال ذلك الرجل: والله لا أسب رجلا.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ولما نزل قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] في أيام الحج عرف أنه الوداع، فأمر براحلته يوم النحر فرحلت وأعدت، فركب، فوقف بالعقبة واجتمع الناس إليه، فأمر جريرا أن يطلب منهم الإنصات فأنصتوا، فخطبهم بما يهمه وحذرهم مما يخشى عليهم منه بعد مماته، فقال: أيها الناس أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قالوا بلى، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فسكت، حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قالوا بلى، قال: أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فسكت، حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. قال أليست بالبلدة الحرام؟ قالوا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع.
أيها الناس: لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض.
تلك وصية الوداع التي حرص ﷺ أن يبلغها للناس، لأنه كان يخشى الفتن التي قامت، وكم كان ﷺ يحذر منها، وكم قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب". "وإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر". "لا يحمل بعضكم السلاح على بعض". "من حمل علينا السلاح فليس منا". "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار".
ولم يغن حذر من قدر، ووقعت الفتن كالليل المظلم، وتقاتل المسلمون حتى قتل منهم في معركة واحدة أكثر من عشرة آلاف مسلم، قتلوا جميعًا بأيد مسلمة كان لكل منهم وجهة نظر، بناها على اجتهاد واستنباط من دليل، ولا شك أن البعض مخطئ، والبعض مصيب، ولكن تحديد المخطئ والمصيب مشكل، ولا نقول إلا أن الجميع أصحاب رسول الله ﷺ، وأمرهم إلى الله.
وكل ما يعنينا من الحديث أنه أوعد وأنذر، وخوف وحذر، وأدى ﷺ الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وشهد الله بذلك والملائكة وأولوا العلم.
فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(سباب المسلم فسوق) يقال: سبه يسبه سبًا وسبابًا طعنه وشتمه، والفسوق الخروج عن حدود الله، و"سباب" مصدر مضاف إلى الفاعل مع حذف المفعول، والأصل: أن سب المسلم المسلم فسوق، أو مضاف للمفعول، والأصل: سبابكم المسلم فسوق، والأول أظهر.
(وقتاله كفر) أي مقاتلة المسلم المسلم وحمل السلاح عليه كالكفر.
(في حجة الوداع) قال النووي: المعروف في الرواية "حجة الوداع" بفتح الحاء، وقال
[ ١ / ٢٣٤ ]
الهروي وغيره من أهل اللغة: المسموع من العرب في واحدة الحجج حجة بكسر الحاء. قالوا: والقياس فتحها لكونها اسما للمرة الواحدة، وليست عبارة عن الهيئة حتى تكسر. قالوا: فيجوز الكسر بالسماع، والفتح بالقياس. اهـ
وسميت حجة الوداع لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها.
(استنصت الناس) أي اطلب من الناس أن ينصتوا ليسمعوا الخطبة، يقال: نصت ينصت وأنصت ينصت إذا سكت.
(لا ترجعوا بعدي كفارا) وفي رواية للبخاري "لا ترتدوا" وفي رواية أخرى له أيضا "لا ترجعن" ومعنى "بعدي" بعد فراقي من موقفي هذا، أو "بعدي" أي خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به، أو يكون النبي ﷺ قد تحقق أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد مماته. حكاه القاضي عياض.
(يضرب بعضكم رقاب بعض) روي بجزم "يضرب" في جواب النهي وروي برفعه على أن الجملة لا محل لها من الإعراب مستأنفة، أو في محل نصب على الحال.
وضرب الرقاب كناية عن القتل، فالمراد يقاتل بعضكم بعضا.
(ويحكم - أو قال: ويلكم) شك من الراوي، اسم فعل ماض، وفي القاموس: وي كلمة تعجب، وويح وويل أصله "وي" فوصلت بحاء مرة ولام أخرى. اهـ.
وقال القاضي عياض: ويح وويل كلمتان استعملتها العرب بمعنى التعجب والتوجع. قال سيبويه: "ويل" كلمة لمن وقع في هلكة، و"ويح" ترحم، وحكي عنه "ويح" زجر لمن أشرف على الهلكة. وقال الهروي: "ويح" لمن وقع في هلكة لا يستحقها، فيترحم عليه، ويرثى له، و"ويل" الذي يستحقها ولا يترحم عليه. اهـ.
والمناسب للحديث ما حكي عن سيبوبه، وأن الرسول ﷺ قالها زجرا للأمة وإشفاقا عليها لإشرافها على الهلكة ومقاتلة بعضها بعضها.
-[فقه الحديث]-
لا خلاف في أن سباب المسلم فسوق وخروج عن حدود الدين، وتختلف درجة معصيته باختلاف لفظ السب وأثره، والحديث في ظاهره "سباب المسلم فسوق" يرد على الخوارج في دعواهم تكفير مرتكب الكبيرة، إذ الوصف بالفسق غير الوصف بالكفر شرعا، اللهم إلا أن يجعلوا الفسوق بمعنى الخروج عن الدين كلية، وهو بعيد.
[ ١ / ٢٣٥ ]
أما وصف قتال المسلم بالكفر فقد أوله أهل السنة بالتأويلات المتقدمة في الحديث الأسبق، وزادوا:
١ - أن المراد من "لا ترجعوا بعدي كفارا" أي لا تكفروا بل دوموا مسلمين، فهو نهي عن الردة، وهذا التأويل لا يصلح في لفظ "وقتاله كفر".
٢ - حكى الخطابي أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه، فمعنى لا ترجعوا بعدي كفارا: لا تلبسوا السلاح لبعضكم بعضا بعدي، وهذا التأويل لا يصلح في لفظ "وقتاله كفر" إذ لا معنى لقولنا: قتال المسلم لبس للسلاح.
٣ - قال الخطابي: "لا ترجعوا بعدي كفارا" معناه لا يكفر بعضكم بعضا، فتستحلوا قتال بعضكم بعضا، وهذا التأويل أيضا لا يصلح للرواية الأولى.
قال الحافظ ابن حجر: وأقوى التأويلات في إطلاق الكفر على قتال المؤمن أنه أطلق عليه مبالغة في التحذير من ذلك، لينزجر السامع عن الإقدام عليه. اهـ.
وهذا الحديث يفرض علينا تساؤلا عن موقف الصحابة حين قاتل بعضهم بعضا في موقعة الجمل وصفين وغيرهما، هل كانوا يجهلون هذه الأحاديث ووعيدها؟ أو أقدموا وهم يعلمونها ويؤولونها؟ .
بسط القول في هذا التساؤل سيأتي إن شاء الله في كتاب الفتن، وخلاصته أن الصحابة كانوا - كما نعلم- ثلاث فرق: فرقة مع علي ﵁ وفرقة مع خصومه، وفرقة توقفت وفرت من الفتنة ولم تدخل المعارك وإن لم تسلم من دخانها أو شررها.
أما الفرقتان الأولى والثانية فقد حملوا هذه الأحاديث على الذين يقاتلون من غير تأويل واجتهاد، وهم متأولون مجتهدون، فلا يدخلون في وعيدها.
وأما الفرقة الثالثة فقد أحست أن هذا النذير شامل لرفع السلاح على المؤمن أيا كان نوعه، ما دام بغير الثلاث الواردة: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة.
ومعهم أحاديث كثيرة في الفتن، منها ما رواه أحمد من حديث ابن مسعود في ذكر الفتنة. قلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك وادخل دارك، قلت: يا رسول الله. أرأيت إن دخل رجل على داري؟ قال: فادخل بيتك. قال قلت: أفرأيت إن دخل على بيتي؟ قال: فادخل مسجدك -وقبض بيمينه على الكوع- وقل ربي الله حتى تموت على ذلك.
وفي رواية الطبراني "ليمسك بيده، وليكن عبد الله المقتول لا القاتل" والحقيقة أنه لو علم المتقاتلون هذا المصير الذي صار إليه أمرهم ما تقاتلوا سواء في ذلك منتصرهم ومهزومهم، فقد روي أن عليا ﵁ سار بين القتلى بعد انتهاء معركة الجمل، فأخذ يضرب فخذيه بيديه، وهو يقول: ياليتني مت قبل هذا، وكنت نسيا منسيا.
فلنمسك عن إدانة هذا أو ذاك، وعن قولنا: لو كان كذا كان كذا وكذا، ولنقل: قدر الله وما شاء فعل.
[ ١ / ٢٣٦ ]