١٣١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "آية المنافق بغض الأنصار. وآية المؤمن حب الأنصار".
١٣٢ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "حب الأنصار آية الإيمان. وبغضهم آية النفاق".
١٣٣ - عن البراء ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق. من أحبهم أحبه الله. ومن أبغضهم أبغضه الله".
١٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر".
ومثله.
-[المعنى العام]-
إذا كانت النصرة في الحق تغرس المحبة، وإذا كان إيواء المهاجر يثبت الفضل والمنة، وإذا كان الدفاع عن الدين في وقت ضعفه وشراسة أعدائه كالقبض على الجمر، وإذا كان بذل النفس والمال في سبيل الدعوة الإسلامية عنوان محبة الله ورسوله، فإن الأوس والخزرج الذين أسلموا، وبايعوا ليلة العقبة واستقبلوا المهاجرين بالمودة، وآووهم، وأشركوهم إياهم في أموالهم، بل تنازلوا لهم عن بعض نسائهم وتآخوا وإياهم أخوة أقوى من أخوة نسبهم، إن هؤلاء أجدر الناس بمحبة من يحب الله ورسوله، وهم أحق المخلوقات بحب من يحب الإسلام فحبهم علامة على حب رسول الله ﷺ، لأنه ﷺ كان يحبهم وكان يقول لهم: "اللهم أنتم من أحب الناس إلي" ويقول: "لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم" ويقول: "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار".
[ ١ / ٢٤٨ ]
نعم، قوم آووه ﷺ ونصروه، وتبوءوا الدار والإيمان وأحبوا من هاجر إليهم، ولم يجدوا في صدورهم حاجة مما أوتوا، وآثروا المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكانوا حماة الدعوة الإسلامية وبذلوا في سبيلها أرواحهم ودماءهم. قوم بهذه الصفة لا يبغضهم إلا منافق ولا يحبهم إلا مؤمن، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله، ولا تجد رجلا يبغض الأنصار بصفتهم الأنصار وهو مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، بل إن نطق بالشهادتين وهو بهذه الحالة فهو منافق، لأن علامة الإيمان حب من يحبه الله ورسوله ﷺ.
فاللهم اغرس في قلوبنا محبتهم، وارض عنا وعنهم.
واحشرنا في زمرتهم، زمرة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
-[المباحث العربية]-
(آية المنافق بغض الأنصار) الآية العلامة، والبغض مصدر مضاف لمفعوله، والأصل: بغضه الأنصار، والأنصار جمع ناصر كأصحاب جمع صاحب، أو جمع نصير، كأشراف جمع شريف، واللام فيه للعهد، أي أنصار رسول الله ﷺ، والمراد بهم الأوس والخزرج، وكانوا يعرفون بابني قيلة بقاف وياء مفتوحتين، وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول الله ﷺ الأنصار، فصار علما عليهم، وأطلق أيضا على أولادهم وخلفائهم ومواليهم.
(حب الأنصار آية الإيمان) وفي رواية لأحمد "حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق".
-[فقه الحديث]-
قدمنا أن من علامات الإيمان وحلاوته أن يحب المؤمن أخاه لا يحبه إلا لله، فحب المؤمن من الإيمان، ولا شك أن الأنصار داخلون في ذاك الحب بل في مقدمته، لكنهم مع دخولهم في هذا العموم خصوا بهذا الحديث، وبهذا التخصيص، زيادة في الاعتناء بهم، والاهتمام بشأنهم، لمزيد فضل لهم.
قال الحافظ ابن حجر في سر هذا التخصيص: وخصوا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي ﷺ ومن معه والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق تنويها بعظيم فضلهم وتنبيها على كريم فعلهم وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركا لهم في الفضل المذكور، كل بقسطه. اهـ.
والذي يظهر لي أن السر في هذا التخصيص هو خوف الرسول ﷺ من أن ينسى الناس بعده فضل الأنصار، وخصوصا بعد أن يحظى المهاجرون بالخلافة، وبعد أن تأخذ قريش مركزها في الإسلام.
[ ١ / ٢٤٩ ]
يؤيد هذا وصاياه ﷺ للأنصار إذ قال لهم: "جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار إنكم لأعفة صبر، وإنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
ويروي البخاري في وصيته ﷺ بالأنصار "أن أبا بكر والعباس ﵄ مرا بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال [العباس أو أبو بكر] ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا [أي ذكروا مجالسهم معه- وكان ذلك في مرض موته ﷺ- فخشوا أن يموت من مرضه، فيفقدوا مجلسه] فدخل [أبو بكر أو العباس] على النبي ﷺ، فأخبره بذلك. قال فخرج النبي ﷺ، وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي [أي بطانتي وخاصتي] وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم".
"أيها الناس: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم".
واشتمل الحديث على شقين:
الأول: أن حب الأنصار علامة الإيمان
والثاني: أن بغض الأنصار علامة النفاق.
وقد ورد على الشق الأول أن ظاهره يفيد أن من أحب الأنصار كان مؤمنا ولو لم يصدق الرسول ﷺ بقلبه، لأن علامة الإيمان إذا وجدت وجد الإيمان، مع أن هذا الظاهر غير مراد.
ويجاب على هذا الإيراد بأن حب الأنصار حبا حقيقيا من هذه الحيثية أعني من حيثية كونهم ناصروا رسول الله ﷺ لا يكون إلا ممن صدق وآمن برسول الله ﷺ.
وقيل في الجواب: إن الحديث قد خوطب به من يظهر الإيمان، أما الكافر فلا يطلب منه حب الأنصار، لأنه مرتكب بكفره ما هو أشد من بغضهم، والجواب الأول أدق.
وورد على الشق الثاني أن ظاهره يفيد أن من أبغض الأنصار كان منافقا وإن صدق وأقر.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذا الإيراد فقال: إنه محمول على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة- وهي كونهم نصروا رسول الله ﷺ - أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق، ويقرب هذا الحمل زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم".
ثم قال: ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير. فلا يراد ظاهره. اهـ.
وهل المطلوب في الحديث حب جميع الأنصار أو حب المجموع الذي لا يضره بغض فرد أو أفراد؟
الظاهر أننا إذا أردنا الحب المنبعث عن النصرة كان المطلوب حب كل واحد منهم أي جميعهم، إذ بغض أي منهم من هذه الجهة ممنوع شرعا.
[ ١ / ٢٥٠ ]
أما إذا أردنا مطلق الحب بغض النظر عن هذه الجهة فإن المطلوب حب مجموعهم، وفي ذلك يقول ابن التين: المراد حب جميعهم وبغض جميعهم، لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن بغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له فليس داخلا في ذلك. اهـ وهو تقرير حسن.
وفي ختام الموضوع نسوق عبارة النووي في شرحه إذ قال: ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي ﷺ، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارا للإسلام، ثم أحب الأنصار لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه، لسروره بظهور الإسلام، والقيام بما يرضي الله ﷾ ورسوله ﷺ ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته.
والله أعلم
[ ١ / ٢٥١ ]