١٩٥ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ. فقالوا: فلان شهيد. فلان شهيد. حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله ﷺ "كلا. إني رأيته في النار. في بردة غلها. أو عباءة". ثم قال رسول الله ﷺ "يا ابن الخطاب! اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون" قال فخرجت فناديت "ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون".
١٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر. ففتح الله علينا. فلم نغنم ذهبا ولا ورقا. غنمنا المتاع والطعام والثياب. ثم انطلقنا إلى الوادي. ومع رسول الله ﷺ عبد له، وهبه له رجل من جذام. يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب. فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله. فرمي بسهم. فكان فيه حتفه. فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ "كلا. والذي نفس محمد بيده! إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر. لم تصبها المقاسم" قال ففزع الناس. فجاء رجل بشراك أو شراكين. فقال: يا رسول الله، أصبت يوم خيبر. فقال رسول الله ﷺ "شراك من نار أو شراكان من نار".
-[المعنى العام]-
هاجر أبو هريرة إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر فأدركه بها، وخرج معه من خيبر بعد معركتها وفتحها إلى وادي القرى، وأخذ الصحابة يتحدثون عن شهدائهم على مسمع من رسول الله ﷺ، يقولون: فلان شهيد، وفلان شهيد، وفلان شهيد وذكروا رجلا قتل في المعركة أو عقبها، وقالوا عنه: فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ: كلا، ليس بشهيد، إني رأيته - ورؤياي وحي- في النار بسبب بردة سرقها من الغنيمة تشتعل عليه نارا يوم القيامة، ثم قال: قم يا ابن الخطاب، فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون الذين لا يغلون، فخرج عمر ونادى بما أمره به ﷺ.
[ ١ / ٣٧٥ ]
وبينما الصحابة على ذلك، وبينما عبد أسود لرسول الله ﷺ يحل رحل ناقة النبي ﷺ إذ جاءه سهم طائش قضى عليه، فقال الصحابة: هنيئا له الشهادة، قال ﷺ: كلا ليس بشهيد والله الذي نفسي بيده إن البردة التي سرقها من الغنيمة يوم خيبر قبل القسمة تشتعل عليه نارا.
ففزع الناس وخافوا وانزعجوا من هذه العقوبة، وقد كانوا يحسبون مثل هذا الأمر هينا، فعلموا أنه عند الله عظيم، وكان ممن هاله الخطب رجل أخذ خفية من الغنيمة سيرا لنعله أو سيرين، فأسرع بإحضارهما وتسليمهما لرسول الله ﷺ قائلا: استغفر لي يا رسول الله، فقد أخذت هذين السيرين يوم خيبر، فأخذهما رسول الله ﷺ وهو يقول لو لم تردهما لكانا سيرين من النار يلتهبان على قدميك يوم القيامة.
-[المباحث العربية]-
(لما كان يوم خيبر) "كان" تامة و"يوم" فاعلها، وفي "خيبر" مضاف محذوف أي يوم فتح خيبر.
(أقبل نفر) النفر عدة رجال من الثلاثة إلى التسعة، وجمعه أنفار وأنفرة ونفراء، ولم تعرف أسماؤهم، وقد أقبلوا من المعركة إلى رسول الله ﷺ.
(فقالوا: فلان شهيد) كلمة "فلان" من مقول عمر بن الخطاب ﵁ وليست من مقول النفر، وهي كناية عن الاسم الصريح الذي قالوه. وإن أعربت صياغة مقولا لقالوا، والمراد من "شهيد" أي سقط في القتال بين المسلمين والكفار فيحكم له بدخول الجنة أول وهلة.
(حتى مروا على رجل) أي حتى جاءوا في عدهم على اسم رجل.
(كلا) حرف زجر ورد. أي ليس بشهيد.
(إني رأيته في النار) رؤيا منام، وهي حق، أو الرؤية بمعنى العلم، أي علمت أنه من أهل النار بطريق الوحي.
(في بردة غلها أو عباءة) جملة "غلها" صفة لبردة، وحذف هذا الوصف من "عباءة" لدلالة الوصف الأول عليه، والتقدير: أو عباءة غلها.
و"في" للظرفية على أنه رئي في النار مظروفا في البردة، أو للسببية، والأول أنسب، والبردة: بضم الباء كساء مخطط، وهي الشملة، وقال أبو عبيد: هو كساء أسود، فيه صور، وجمعها برد بضم الباء وفتح الراء، وأما العباءة فمعروفة، وهي بألف ممدودة، ويقال فيها أيضا عباية بالياء والغلول -وفعله غل يغل بضم الغين-: هو الخيانة في الغنيمة خاصة، وقال بعضهم: هو الخيانة في كل شيء. قال ابن قتيبة: سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه، أي يخفيه.
[ ١ / ٣٧٦ ]
(ففتح الله علينا) مفعول "فتح" محذوف أي فتح الله علينا حصونها.
(فلم نغنم ذهبا ولا ورقا) الورق -بفتح الواو وكسر الراء- الدراهم المضروبة، وفي رواية البخاري "ولم نغنم ذهبا ولا فضة".
(غنمنا المتاع والطعام والثياب) وفي رواية البخاري "إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط".
(ثم انطلقنا إلى الوادي) في رواية البخاري "إلى وادي القرى".
(عبد له) في رواية الموطأ "عبد أسود" وفي رواية البخاري يقال له "مدعم" بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين.
(رفاعة بن زيد من بني الضبيب) بضم الضاد المعجمة، وبعدها ياء موحدة مفتوحة، ثم ياء ساكنة، وكان رفاعة قد وفد على رسول الله ﷺ في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعقد له على قومه فأهداه ذلك العبد.
(يحل رحلا) وفي رواية البخاري: "يحط رحل رسول الله ﷺ "والرحل مركب الرجل على البعير.
(فرمي بسهم) في رواية البخاري "إذ جاءه سهم عائر" (أي طائش لا يدرى من رمي به. وقيل: هو الحائد عن قصده).
(فكان فيه حتفه) بفتح الحاء وإسكان التاء، أي موته، وجمعه حتوف، ومات حتف أنفه، أي من غير قتل ولا ضرب.
(إن الشملة لتلتهب عليه نارا) الشملة هي البردة -كما سبق بيانه- يحتمل أن يكون ذلك حقيقة بأن تصير الشملة نفسها نارا تحيط به، فيعذب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار.
(أخذها من الغنائم) جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
(فجاء رجل بشراك أو شراكين) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم الرجل. والشراك بكسر الشين وتخفيف الراء هو السير المعروف الذي يكون في النعل على ظهر القدم، وهو السير الذي يدخل فيه أصبع الرجل.
(أصبت يوم خيبر) المفعول محذوف. أي أصبته يوم خيبر أي أخذت الشراك أو الشراكين من الغنيمة قبل القسمة يوم خيبر.
[ ١ / ٣٧٧ ]
(شراك من نار) خبر مبتدأ محذوف، أي هذا شراك من نار لو لم ترده، أي كان مآله أن يصير شراكا من نار. ففيه مجاز مرسل من قبيل: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦].
-[فقه الحديث]-
من المعلوم أن أبا هريرة هاجر من اليمن إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر. فقد روى أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة قال: قدمت المدينة والنبي ﷺ بخيبر وقد استخلف على المدينة "سباع بن عرفطة" فزودنا شيئا حتى أتينا خيبر وقد افتتحها النبي ﷺ فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم.
إذا تقرر هذا كان قول أبي هريرة في الرواية الثانية: "خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر" مشكلا، ولهذا قال محققو المحدثين: إن الراوي وهم في هذه الرواية، وفي هذه العبارة بالذات ولهذا كانت بقية الروايات بعيدة عن هذه العبارة، فالرواية الأولى التي معنا واضحة لا إشكال فيها ورواية البخاري كذلك، ونصها "افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة" فإدخاله نفسه في افتتاحها باعتبار أنه قسم له في مغانمها، فاعتبر كالمفتتحين لها. ورواية ابن حبان والحاكم "انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى" وهي واضحة. ولعل الرواية الثانية التي معنا محرفة من رواية البيهقي التي نصها "خرجنا مع النبي ﷺ من خيبر إلى وادي القرى".
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - عظم تحريم الغلول، ونقل النووي الإجماع على أنه من الكبائر.
٢ - أنه لا فرق بين قليله وكثيره حتى الشراك الذي هو سير النعل.
٣ - استدل به على أن من غل شيئا من الغنيمة فعليه رده، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الغال يجب عليه أن يعيد ما غل قبل القسمة، وأما ما غل بعدها فقد قال النووي والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى ذلك ويقول: إن قيل: إنه ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن قيل: إنه لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره، قال: والواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة.
٤ - أن الغال إذا رد ما غله قبل منه.
٥ - وأنه لا يحرق متاعه، سواء رده أو لم يرده، فإنه ﷺ لم يحرق متاع صاحب الشملة وصاحب الشراك، ولو كان واجبا لفعله، ولو فعله لنقل، وأما حديث "من غل فاحرقوا متاعه واضربوه" وفي رواية: "واضربوا عنقه"، فضعيف. قال الطحاوي: ولو كان صحيحا لكان منسوخا، ويكون هذا حين كانت العقوبات في الأموال.
[ ١ / ٣٧٨ ]
٦ - وفيه تنبيه على أن معاقبة الغال إنما تكون بما غل، قال تعالى: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١].
٧ - وفي الحديث قبول الإمام للهدية: قال الحافظ ابن حجر: إن كانت لأمر يختص به في نفسه، أي لو كان غير وال فله التصرف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرف فيها إلا للمسلمين، وعلى هذا التفصيل يحمل حديث "هدايا الأمراء غلول" فيخص بمن أخذها فاستبد بها، وخالف في ذلك بعض الحنفية. فقال: له الاستبداد مطلقا، بدليل أنه لو ردها على مهديها لجاز، فلو كانت فيئا للمسلمين لما ردها.
٨ - جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة، قصد تأكيد الخبر لقوله ﷺ "والذي نفس محمد بيده".
٩ - أن الغال من الغنيمة ليس بشهيد، فإن رسول الله ﷺ لما قالوا عنه: شهيد. قال: كلا. قال النووي: من غل في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدا إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. اهـ.
فنفي الشهادة نفي لثوابها الكامل، ونفي لتحريم صاحبها على النار.
والله أعلم
[ ١ / ٣٧٩ ]