٢٠٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى آخر الآية [الحجرات: ٢]. جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ. فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " قال سعد: إنه لجاري. وما علمت له بشكوى. قال فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ. فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ. فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ "بل هو من أهل الجنة".
٢٠١ - عن أنس ﵁ قال: لما نزلت ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] ولم يذكر سعد بن معاذ في الحديث.
٢٠٢ - عن أنس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية. واقتص الحديث. ولم يذكر سعد بن معاذ. وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة.
-[المعنى العام]-
كان ثابت بن قيس خطيب الأنصار، وكان جهوري الصوت، فلما جاء أعراب بني تميم إلى النبي ﷺوكان نائما- نادوه بصوت مرتفع من وراء حجرات أمهات المؤمنين: يا محمد، اخرج إلينا، ونادى، أحدهم: يا محمد، إن مدحي زين وإن ذمي شين، فخرج ﷺ وهو يقول: "ذاك الله" أي هو الذي مدحه زين وذمه شين. فلما خرج ﷺ إليهم قام خطيبهم يفاخر ببني تميم فقام ثابت بن قيس يرد عليهم، ويفاخر بصوته الجهوري في حضور النبي ﷺ فلما نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: ٢] خشي ثابت بن قيس أن يشمله هذا الوعيد، فدخل بيته، وأغلق عليه بابه، وأخذ يبكي وهو يقول: أنا من أهل النار. وغاب ثابت عن
[ ١ / ٣٩٠ ]
مجلس رسول الله ﷺ على غير عادة، وتفقده رسول الله ﷺ في مجلسه فلم يجده، فسأل عنه سيد النصار. فقال: يا أبا عمرو، ما بال ثابت بن قيس؟ وما شأنه؟ وما أحواله؟ أخشى أن يكون به سوء أو شكاية، فقال سعد: أنا جاره، ولم أحس منه بشكوى، ولكن آتيك بخبره وما عنده، وذهب إليه سعد وعاصم بن عدي، فواجده منكسا رأسه يبكي - وقد حبس نفسه عن الخروج ومتع الحياة -فقيل له: ما يبكيك؟ إن رسول الله ﷺ سأل عنك، وقال كيت وكيت. قال: شر أصابني. أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار، وعاد إلى البكاء. فرجع سعد إلى النبي ﷺ، فذكر له ما قال ثابت، فقال النبي ﷺ: إنه من أهل الجنة. اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة، فرجع إليه بهذه البشارة العظيمة، فجاء ثابت إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أخشى أن أكون قد هلكت.
فقال: وما ذاك؟ قال: نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك. وأنا جهير، فقال له ﵊: أما ترضى أن تعيش سعيدا، وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، فكان الصحابة ﵃ يؤمنون بأن هذه البشارة حق، وكانوا إذا رأوا ثابت بن قيس يمشي بينهم أحسوا واعتقدوا أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة وحاصر المسلمون مسيلمة الكذاب وأتباعه في عهد أبي بكر، لبس ثابت ثوبين أبيضين كفن نفسه فيهما، ثم حنط جسمه بالطيب الذي يطيب به الميت، ثم ذهب إلى صفوف المسلمين. فرأى منهم انكشافا وتقهقرا فنادى بأعلى صوته: أيها المسلمون، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ، بل كان الصف لا ينحرف عن موضعه حتى يقتل أو يقتل، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك عما فعله المسلمون، فتجمع المسلمون وقاتلوا وانتصروا، وكان ثابت بن قيس من خيرة المقاتلين في هذه المعركة، كما كان من شهدائها الأبرار، فتحقق بذلك وعد الله له على لسان نبيه ﵊.
-[المباحث العربية]-
﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه صوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم.
﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾ أي إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم ورفع الصوت بعدم مراعاة مقام النبوة وجلالة قدرها.
﴿أن تحبط أعمالكم﴾ أي لا ترفعوا ولا تجهروا خشية أن تحبط أعمالكم، وإحباط العمل الحرمان من الثواب، قال أبو بكر بن العربي: الإحباط إحباطان:
أحدهما: إبطال الشيء للشيء، وإذهابه كلية، كإحباط الإيمان للكفر، وإحباط الكفر للإيمان.
وثانيهما: إحباط الموازنة بزيادة السيئات على الحسنات، إذ يوقف الانتفاع بالحسنات حتى
[ ١ / ٣٩١ ]
يستوفى جزاء السيئات، ثم تعود منفعة الحسنات، فهذا التوقف إبطال جزئي للحسنات، وهو المراد من الآية، وإطلاق اسم الإحباط عليه مجاز.
(جلس ثابت بن قيس في بيته) أي حبس نفسه في بيته كئيبا حزينا خائفا.
(وقال: أنا من أهل النار) قال ذلك لنفسه، أو قاله لمن اتصل به وسأله.
(واحتبس عن النبي ﷺ) أي منع نفسه من لقاء النبي ﷺ معه على خلاف عادته.
(أشتكى) بهمزة الاستفهام وحذف همزة الوصل، لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل المفتوحة قلبت همزة الوصل مدة كقوله تعالى: ﴿أالله خير﴾ [النمل: ٥٩] وإذا دخلت على المكسورة حذفت همزة الوصل كقوله تعالى: ﴿أستكبرت أم كنت من العالين﴾ [ص: ٧٥].
(وما علمت له بشكوى) الباء زائدة داخلة على المفعول.
(فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة) هو في بعض الأصول "رجلا" وفي بعضها "رجل" وهو الأكثر، وكلاهما صحيح الأول على البدل من الهاء في "نراه" والثاني على الاستئناف، خبر مبتدأ محذوف. أي هو رجل من أهل الجنة.
-[فقه الحديث]-
أشكل على هذا الحديث أن الآية المذكورة نزلت في زمن الوفود بسبب الأقرع بن حابس سنة تسع (فقد روى البخاري عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر - ﵄- رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس قال أبو بكر: "يا رسول الله، استعمله على قومه" وأشار الآخر برجل آخر، قال عمر: "لا تستعمله يا رسول الله واستعمل القعقاع بن معبد" فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ الآية فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه) من هذا يتبين أن الآية نزلت سنة تسع، كما يقول المحققون، وسعد بن معاذ مات قبل ذلك في بني قريظة، وذلك سنة خمس.
قال الحافظ ابن حجر لرفع هذا الإشكال: ويمكن الجمع بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نزل في قصة الأقرع أول السورة ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ اهـ.
والحق أن هذا الجمع بعيد، لأن رواية البخاري السابقة صريحة في أن الذي نزل في قصة الأقرع ﴿لا ترفعوا أصواتكم﴾
ويمكن أن يقال: إن ذكر سعد بن معاذ وهم من الراوي، وصحتها سعد بن عبادة، اعتمادا على رواية ابن المنذر في تفسيره عن قتادة عن أنس في هذه القصة وفيها "فقال سعد بن عبادة: يا رسول
[ ١ / ٣٩٢ ]
الله هو جاري" الحديث، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أشبه بالصواب، لأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس، فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ لأنه من قبيلة أخرى. اهـ.
كما يمكن في الجمع أن يقال بتكرر النزول -كما ذهب إليه بعض العلماء- فتكون الآية قد نزلت قبل موت سعد بن معاذ مرة، ثم نزلت (ولو بمعنى أن جبريل ذكر بها) مرة أخرى عند خلاف أبي بكر وعمر، والله أعلم.
أما الجمع بين ما ذكر هنا من أن المرسل إلى ثابت هو سعد بن معاذ وبين ما رواه الطبري وابن مردويه عن ثابت بن قيس قال: لما نزلت هذه الآية قعد ثابت يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك؟ قال: أتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في، فقال له رسول الله ﷺ: أما ترضى أن تعيش حميدا؟ .
إذا طرحنا جانبا نزول الآية في وفد بني تميم أمكننا الجمع بأن الرسول ﷺ سأل سعد بن معاذ، قال: هو جاري، وقال سعد بن عبادة: هو جاري، وذهبا إليه، كما ذهب إليه أيضا عاصم بن عدي. وجاءوا إلى رسول الله ﷺ بخبره.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - ما كان عليه الصحابة من شدة الخوف من الله والخوف من إحباط العمل، ولا يلزم من الخوف من ذلك وقوعه.
٢ - وفيه منقبة عظيمة لثابت بن قيس ﵁ وهي أن النبي ﷺ أخبر أنه من أهل الجنة.
٣ - وأنه ينبغي للعالم وكبير القوم أن يتفقد أصحابه ويسأل عمن غاب منهم.
٤ - إيمان الصحابة بما يخبر به النبي ﷺ من الأمور الغيبية لقول الراوي "فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة".
[ ١ / ٣٩٣ ]