٢٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم ﷺ إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ قال: "ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي".
٢٥٩ - عن الزهري، وفي حديث مالك ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ قال: ثم قرأ هذه الآية حتى جازها.
٢٦٠ - عن الزهري، كرواية مالك بإسناده وقال: ثم قرأ هذه الآية حتى أنجزها.
-[المعنى العام]-
مثل رائع في التواضع، والدفاع عن الغير، ونفي الشبهة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يضربه النبي ﷺ في هذا الحديث.
لقد قرأ الصحابة قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٦٠] قرأ الصحابة هذه الآية فقالوا: شك إبراهيم ولم يشك نبينا ﷺ.
وقرءوا قوله تعالى حكاية عن لوط: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] فتوهم بعضهم أن لوطا ﵇ نسي الله عند الشدة.
وقرءوا قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ حين قال لصاحبه في السجن: ﴿اذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢] فتوهم بعضهم أن يوسف ضعف وتشوف للخروج من السجن، وطلب الخلاص منه.
سمع رسول الله ﷺ تلك الشبه والأوهام التي حامت حول إخوانه الأنبياء ﵈، فبادر
[ ١ / ٤٧٩ ]
بالدفاع عنهم وإزالتها فقال: إن الأنبياء لا يقع منهم شك في إحياء الموتى، وإذا كنتم تعلمون أنني لم أشك فإبراهيم ﵇ لم يشك لأنه أبو الأنبياء، ورأس أولي العزم، ولكنه طلب رؤية كيفية إحياء الموتى، شوقا لرؤية هذا الأمر الغريب، ونحن أولى بهذا الشوق منه، ونتمنى أن نراه، ولكننا لا نطلبه.
وأما لوط ﵀ - فقد كان يأوي ويلجأ في محنته إلى الله تعالى، على عكس ما فهمتم، فإن قوله: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠]، قصد به الاعتذار لضيفه في أنه يجب حمايتهم بكل ما يملك، لكنه في قرارة نفسه كان معتمدا على الركن المتين، الذي لا ركن بعده وهو الله تعالى.
وأما يوسف فلم يكن يتشوف للخروج من السجن بأي ثمن، بدليل أنه فعل ما لم يفعله أحد، فإنه حين جاءه الرسول يطلب خروجه لم يبادر بالخروج وإنما قال له: ارجع إلى ربك فأثبت براءتي أولا، ولو أني مكانه لأسرعت بالخروج، ولأجبت الداعي، ثم طلبت بعد ذلك إثبات براءتي، فرضي الله عن الأنبياء أجمعين، ورضوا عنه، وصلى الله وسلم عليهم ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(نحن أحق بالشك من إبراهيم) ضمير نحن للرسول محمد ﷺ وأمته، أو له ﷺ وللأنبياء من قبله، أي نحن معشر الأنبياء، ويبعد أن يكون له ﷺ على جهة تعظيم نفسه، والشك في الأصل: هو التوقف بين الأمرين من غير ترجيح النفي أو الإثبات، أي من غير مزية لأحد الأمرين على الآخر، وسيأتي توضيح المراد في فقه الحديث.
(كيف تحيي الموتى؟) "كيف" اسم استفهام حال، والجملة في محل النصب، مفعول ثاني لأرني.
(أولم تؤمن) معمول "تؤمن" محذوف، أي أولم تؤمن بالإحياء؟ أو أولم تؤمن بكيفية الإحياء؟ والأول هو الظاهر، والاستفهام للتقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بمضمون الجملة إثباتا أو نفيا، والمعنى هنا: أقر بأنك مؤمن.
(قال: بلى) "بلى" حرف جواب، وتختص بالنفي، وتفيد إبطاله، أي أنا مؤمن، أجرى النحويون النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى، ولذلك قال ابن عباس وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] لو قالوا: نعم لكفروا، ووجهه أن (نعم) تصديق للخبر بنفي أو إيجاب.
﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ علة لمحذوف، تقديره: ولكن أطلب الرؤية ليطمئن قلبي.
(ويرحم الله لوطا) جملة خبرية لفظا، دعائية معنى.
[ ١ / ٤٨٠ ]
(لقد كان يأوي إلى ركن شديد) أصل الركن ما يستند إليه الشيء ويمتنع به، فشبه به الله أو العشيرة - كما سيأتي - على سبيل الاستعارة التصريحية، و"يأوي" مضارع "أوى" بمعنى يعتمد ويحتمي ويركن.
(لأجبت الداعي) "أل" في "الداعي" للعهد، والمعهود رسول الملك الذي جاء يطلب خروجه من السجن لمقابلته.
(حتى جازها) أي حتى جاوزها، وليس المراد الدخول فيما بعدها بل المراد الانتهاء منها، فهو في معنى الرواية الأخرى "حتى أنجزها" أي حتى أتمها.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر الموضوع في أربع نقاط:
١ - توضيح موقف إبراهيم ﵇.
٢ - توضيح قول النبي ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم"
٣ - توضيح موقف لوط ﵇.
٤ - توضيح موقف يوسف ﵇، وتوجيه كلام الرسول ﷺ عنه.
١ - أما موقف إبراهيم ﵇ ففيه قال الله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ (أي اضممهن إليك، ثم جزئهن) ﴿يأتينك سعيا﴾ (ساعيات مسرعات) ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ وإنما أمر بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها، ويعرف أشكالها وهيئاتها لئلا تلتبس عليه بعد إحيائها، ولا يتوهم أنها غير تلك، بل روي أنه أمر بأن يذبحها ويقطعها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، وأن يمسك في يده رءوسها ثم يوزع أجزاءها على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله، فجعل كل جزء يطير إلى آخر حتى صارت جثثا، ثم أقبلن، فانضممن إلى رءوسهن كل جثة إلى رأسها.
أما عن سبب سؤال إبراهيم هذا السؤال فقد قيل: إنه رأى جيفة بساحل البحر يتناولها السباع والطير ودواب البحر، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة.
وفي مراده من السؤال قيل:
أ - إن الشك على ظاهره، وكان ذلك قبل النبوة.
ب - إن الشك على ظاهره، وسببه وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر، ولم تزلزل الإيمان الثابت،
[ ١ / ٤٨١ ]
ذكره الطبري واستدل عليه بما رواه عن ابن عباس قال: هذا لما يعرض في الصدور، ويوسوس به الشيطان.
وهذان القولان المثبتان للشك بعيدان عن القبول، لأن الشك في مثل هذا يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟ وأيضا فإن السؤال لما وقع بكيف دل على حال شيء موجود مقرر عند السائل والمسئول، فليس فيه شك.
والحق أن الشك لم يقع أصلا، وفي توجيه السؤال قيل:
جـ- إنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة بعد العلم بها استدلالا، وهذا مذهب الإمام أبي منصور الأزهري.
د- وقريب منه ما قيل من أنه سأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين فإن بين العلمين تفاوتا، أي سأل زيادة اليقين.
هـ - وقيل: إنه أحب رؤية هذه الحالة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدتها كما يحب المؤمنون أن يروا الجنة مع الإيمان بها وبما يقع فيها، ومع زوال الشكوك تماما.
و- وقيل: إنه أراد إظهار منزلته عند ربه في إجابة دعائه، قال: أرني ذلك لأعلم أنك تجيب دعائي، وكأن الجواب: أولم تؤمن بأنك مجاب الدعاء؟
ز- وقريب منه ما قيل: إنه أراد إظهار عظم منزلته عند ربه واصطفائه وخلته، فكأنه قال: أرني ذلك لأعلم أني صفيك وخليلك، وكأن الجواب: أولم تؤمن بأنك صفيي وخليلي؟
ح- وقيل: إن نمروذ لما قال له: ما ربك؟ قال: "ربي الذي يحيي ويميت" سأل إبراهيم ربه ذلك ليرى النمروذ وقومه، فكأن المراد: أرني وقومي، ليطمئن قلبي بأنهم يعلمون أنك تحيي الموتى.
ط- وقيل: إن معناه أقدرني على إحياء الموتى، فتأدب في السؤال.
وقيل غير ذلك، لكن الأقوال الأربعة الأخيرة بعيدة. والله أعلم
٢ - وأما قول النبي ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فعلى القولين الأولين المثبتين للشك يمكن حمل "نحن" على الأمة الذين يجوز عليهم الشك، وإخراجه هو منه بدلالة العصمة.
كما يمكن أن يراد به مجرد الدفاع عن إبراهيم ﵇، من غير قصد إثبات أحقية الشك، وذلك أنه لما نزلت الآية قال بعض الصحابة: "شك إبراهيم ولم يشك نبينا"، فقال ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" وأراد ما جرت به العادة في المخاطبة لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئا قال: كل ما تريد أن تقوله لفلان من الإساءة قله لي، ومقصوده لا تقل عليه شيئا.
وعلى القول الثالث والرابع والثامن المعنى: نحن أحق بطلب الطمأنينة وزيادة العلم واليقين من إبراهيم لكثرة المكذبين لنا والمنكرين للبعث.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وعلى القول الخامس المعنى: نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم.
وعلى القول السادس والسابع: نحن أحق بطلب إظهار المنزلة ومدى إجابة الدعاء من إبراهيم، ولكننا لا نطلب ذلك.
وعلى القول التاسع المعنى: نحن أحق بطلب أن يحيي الله الموتى على يدي، ولكني لا أسأل ذلك اكتفاء بمعجزة القرآن.
وقيل المعنى: إذا لم نشك نحن فاعلموا أن إبراهيم لم يشك، أي لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق بالشك منه، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعا، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، ويؤيد هذا الأخير ما رواه مسلم عن أنس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: "يا خير البرية، فقال: "ذاك إبراهيم".
فيكون المراد نفي الشك عنه وعن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وقد حكى بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين نحو قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ [الدخان: ٣٧] أي لا خير في الفريقين، والله أعلم
٣ - وأما عن لوط ﵇ فقد قال النووي: إن لوطا ﷺ لما خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه، واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ في الدفع بنفسي ﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾ أي عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط ﵇ إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضا منه ﷺ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لما ذكرنا من تطييب قلوب الأضياف، ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: يقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه، لأنهم من سدوم وهي من بلاد الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم، فقال لقومه لما جاءته الأضياف: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني، ولهذا جاء في بعض طرق الحديث عن النبي ﷺ قال: قال لوط: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته، فما بعث الله نبيا إلا في ذروة من قومه، ألم تر إلى قول قوم شعيب: ولولا رهطك لرجمناك. اهـ.
فالمراد من الركن الشديد في الآية عشيرته، فكأنه قال لقومه: لو أن لي عشيرة لدفعتكم بها وحميت بها ضيفي. والمراد من الركن الشديد في الحديث هو الله تعالى، والمعنى: يرحم الله لوطا لقد كان - حين قال هذا القول - يأوي في نفسه إلى الله تعالى، لكنه قال ما قال اعتذارا لضيفه.
[ ١ / ٤٨٣ ]
وقيل معنى قوله: "لقد كان يأوي إلى ركن شديد" أي إلى عشيرته، لكنه لم يأو إليهم وأوى إلى الله تعالى، على معنى أنه كانت له عشيرة يمكن أن يأوي إليها لكنه أوى إلى الله تعالى، قال الحافظ ابن حجر: والأول أظهر، لما بيناه من أنه لم تكن له عشيرة. اهـ.
٤ - وأما عن يوسف ﵇ فقد أشار رسول الله ﷺ إلى شدة صبره وتأنيه، وتقديمه إثبات البراءة على الخروج من السجن، حين جاءه رسول الملك يطلب خروجه، فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، فلم يخرج يوسف مبادرا إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل، بل تثبت وتوقر وراسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه لتظهر براءته عند الملك وغيره، فبين النبي ﷺ فضيلة يوسف في هذا، وقوة نفسه في الخير، وكمال صبره وحسن نظره، وقال ﷺ عن نفسه ما قال تواضعا وإيثارا للمبالغة في كمال فضيلة يوسف ﵇، وهو من جنس قوله: "لا تفضلوني على يونس" والتواضع لا يحط مرتبة الكبير، بل يزيده رفعة وإجلالا.
والله أعلم
[ ١ / ٤٨٤ ]