٥٢٣٣ - عن سعد ﵁ قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله، يوم أحد، رجلين عليهما ثياب بياض. ما رأيتهما قبل ولا بعد. يعني جبريل وميكائيل ﵉.
٥٢٣٤ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره، رجلين عليهما ثياب بيض. يقاتلان عنه كأشد القتال. ما رأيتهما قبل ولا بعد.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧]
إن كفار قريش في غزوة بدر لم يكونوا يتجاوزون الألف، ولم تكن هزيمتهم في حاجة إلى مثل هذا العدد من الآدميين، فضلا عن الملائكة، ولكنه التكريم، وزف البشرى للنبي ﷺ والمؤمنين، وزيادة اطمئنان لهم بالنصر منذ الضربة الأولى، وليعلم المؤمنون أن النصر من عند الله.
لكن تكريما آخر من نوع جديد، ليس له مثيل في تاريخ البشرية، ينهزم جيش المسلمين في أحد، ويولون الأدبار، وقد أعلن أعداء الإسلام أن محمدا قتل، فر بعضهم حتى وصل إلى المدينة، وفر بعضهم في شعاب الجبال، لينجو بنفسه، ويقف رسول الله ﷺ وليس معه، أو حوله سوى سبعة من الأنصار، وسبعة من قريش، أربعة عشر أمام جيش الكفر، كل أمنيتهم أن يقتلوا محمدا، كيف لم يصلوا إليه؟ كيف لم يقتلوه؟ أين رماتهم؟ ونبالهم؟ وسيوفهم؟ ورماحهم؟ لقد روى عبد الرزاق أنهم ضربوا وجه النبي ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة" كيف طاشت هذه الضربات؟ أو من الذي حماه منها؟ جواب كل ذلك في هذا الحديث.
يقول سعد بن أبي وقاص ﵁ لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله ﷺ، وعن يساره
[ ٩ / ١٣٣ ]
رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل هذا اليوم، وما رأيتهما بعد انتهاء المعركة.
إنهما جنديان من جنود الله ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر﴾ [المدثر: ٣١] وأي تكريم لمحمد ﷺ يفوق هذا التكريم؟ وأي حماية تعلو هذه الحماية؟ وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] صلى الله وسلم وبارك عليه.
-[المباحث العربية]-
(رأيت عن يمين رسول الله ﷺ، وعن شماله يوم أحد رجلين) الكلام على التوزيع، أي عن يمينه رجل، أي ملك في صورة رجل، وعن شماله رجل، أو كانا يتبادلان المواقع، فكل منهما عن يمينه وشماله والظاهر الأول.
(ما رأيتهما قبل ولا بعد) كناية عن كونهما غريبين، وجبريل وميكائيل بالنسبة له كذلك.
(يقاتلان عنه، كأشد قتال) فرق بين "يقاتلان عنه" أي يدافعان عنه، ويصدان ضربات الكفار الموجهة إليه، ويحميانه ويعصمانه، وبين يقاتلان معه، أي يضربان الكفار، ويحاربونهم معه ومع أصحابه، وقوله "كأشد قتال" صفة لمصدر محذوف، أي قتالا مشبها أشد القتال.
-[فقه الحديث]-
ترجم النووي - ﵀ - لهذا الحديث بباب إكرامه ﷺ بقتال الملائكة معه ﷺ، ولا يؤخذ هذا من الحديث، إذ لفظه "يقاتلان عنه" وفرق بين اللفظين، كما ذكرنا في المباحث العربية.
وقتال الملائكة أو نزول الملائكة في المعارك ثابت بنص القرآن الكريم، إذ يقول ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧] قال الحافظ ابن حجر: اختلف أهل التأويل في متعلق قوله ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ فمنهم من قال: هي متعلقة بقوله ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ فهي في قصة بدر، وعليه عمل البخاري، وهو في قول الأكثر، وبه جزم الداودي، وقيل: هي متعلق بقوله: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: ١٢١] فعلى هذا هي متعلقة بغزوة أحد، وهو قول عكرمة وطائفة. اهـ.
وعلى كل. هل قاتلت الملائكة؟ أو نزلت للتثبيت والمدد وتكثير العدد؟ فقيل: إنها لم تقاتل أصلا، إذ لو قاتلت ما كانت هناك موازنة بين جيش المسلمين والكفار، ولما حصلت الهزيمة في أحد، ولما
[ ٩ / ١٣٤ ]
كان للمجاهدين فضل، بل كان يكفي قتال ملك واحد، فجبريل ﵇ قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، وقيل: "قاتلت قتالا يحفظ التوازن في الصورة، ليكون الفعل في الظاهر للنبي ﷺ وأصحابه، وقيل: قاتلت في بدر، وكانت مددا في أحد، وقد روى البخاري عن ابن عباس - ﵄ قال: "قال النبي ﷺ يوم أحد: هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب" قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث وهم من وجهين، أحدهما أن هذا الحديث تقدم بسنده ومتنه في باب شهود الملائكة بدرا، ولهذا لم يذكره هنا أبو ذر ولا غيره من متقني رواة البخاري، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، ثانيهما أن المعروف في هذا المتن "يوم بدر" لا يوم أحد.
قال القرطبي في تفسيره: فإن قيل: قد ثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "رأيت عن يمين رسول الله ﷺ يوم أحد، رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما من قبل ولا بعد" قيل: لعل هذا مختص بالنبي ﷺ، وخصه بملكين يقاتلان عنه، لا يقاتلان عن الصحابة، اهـ.
وقيل: إن في حديث سعد بن أبي وقاص وهما، ففي بعض النسخ "يوم بدر" لا يوم أحد، على أن الغرض من نزول هذين الملكين في "أحد" حماية الرسول ﷺ من الكفار، كما أوضحنا، والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فضيلة الثياب البيض.
٢ - وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء.
٣ - ومنقبة لسعد بن أبي وقاص، الذي رأى الملائكة.
٤ - وفيه كرامة للنبي ﷺ على الله تعالى، وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل عنه.
٥ - وبيان أن الملائكة تقاتل.
٦ - وأن الملائكة تنزل في صورة الرجال.
والله أعلم
[ ٩ / ١٣٥ ]