٥٢٦٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها. فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها.
٥٢٦٤ - عن أنس ﵁ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه. وأطاف به أصحابه. فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل.
٥٢٦٥ - عن أنس ﵁، أن امرأة كان في عقلها شيء. فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجة. فقال: "يا أم فلان، انظري أي السكك شئت. حتى أقضي لك حاجتك" فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها.
-[المعنى العام]-
كان ﷺ متواضعا، قريبا من الناس، يمشي بين أصحابه كواحد منهم، ويجلس بينهم لا يكاد يعرف عنهم، يدخل الداخل الغريب فيقول: أيكم محمد؟ يضع يده في يد رفيقه في الطريق، ويردف على ناقته هذا تارة، وهذا تارة، يأكل معهم من إناء واحد، ويشرب معهم من كوب واحد، بل كان يشرب بعد أن يشرب الناس، إذا صافح مسلما لم ينزع يده من يده حتى ينزع صاحبه، إذا طلب منه شيء أجاب، ولم يقل: لا، مهما شق عليه المطلب، لقد كان الصحابة يتبركون بالماء الذي يلامس أصابعه ﷺ، فكانوا في الفجر يبعثون بمائهم في أوانيهم مع خدمهم إلى رسول الله ﷺ، ليضع يده في مائهم، فما تذمر، ولا تكبر على الخدم، ولا رفض لهم مطلبهم، بل لم يتأفف، ولم يتضجر من برد الماء في شدة الشتاء.
ولقد كانوا يتبركون بالاحتفاظ بشعره ﷺ، فإذا جاءه الحلاق أسرعوا إليه، يحيطون به، يتلقفون شعره قبل أن يسقط على الأرض، ويحتفظون بما يلتقطون من شعره تبركا به في بيوتهم.
[ ٩ / ١٧٠ ]
والعجب أن توقفه امرأة في الطريق تسأله، فيقف دون مصاحبيه ويناديها بكنيتها، ويستمع لها، فتطلب منه أن تختلي به بعيدا عن مسامع أصحابه، لتسر إليه بمسألتها، فلا يختار المكان، بل يطلب إليها أن تختار هي المكان الذي تحبه، فيذهب معها إليه، ويقف معها طويلا، لا يمل، ولا يتضجر، وهو يعلم أن في عقلها ضعفا، ومع ذلك يظل يتكلم معها في حاجتها حتى تكتفي هي، وتنصرف راضية شاكرة، وصدق الله العظيم إذ يقول فيه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
-[المباحث العربية]-
(كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة) أي إذا صلى الفجر، وهذا الأسلوب يفيد التكرار والاستمرار والشأن والعادة والغالب.
(جاء خدم المدينة بآنيتهم) في الكلام حذف مضافين، والأصل: خدم أهل المدينة، بآنية أسيادهم، والمراد من الآنية الجنس، الصادق بالجمع، فالمراد بأوانيهم، فيتقابل الجمع بالجمع، فيقتضي القسمة أحادا، فيئول المعنى إلى: جاء خدم المدينة كل واحد بإناء سيده، والمراد المجموع والكثيرون، وليس كل خادم.
(فيها الماء) جملة حالية.
(فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها) أعاد الضمير مؤثنا باعتبار أن الإناء والآنية شيء واحد، و"يؤتى" بضم الياء، بالبناء للمجهول، والمعنى فما يطلب منه وضع يده في إناء به ماء تبركا بيده، إلا وأجاب.
(فربما جاءوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها) أي في الأواني، وهذه الجملة تصوير للمبالغة في الإجابة، أي حتى ولو صاحبت الإجابة مشقة شديدة، والغداة الباردة وقت الفجر والصبح في الشتاء.
(وأطاف به أصحابه) يقال: طاف به، وأطاف به أصحابه، أي أحاطوا به، والجملة حال بتقدير "قد" عند من يشترطها.
(فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل) أي فيسارعون إلى التقاط شعره ﷺ الذي يتساقط من الحلاق، قبل أن يصل إلى الأرض، ونفى الإرادة، ولم ينف وقوع شعرة إلى الأرض، لأن الموجود الكائن فعلا الحرص، وقد يفلت من حرصهم شعرات، تقع فيرفعونها.
(أن امرأة كان في عقلها شيء) من الخفة والضعف، يقصد بذلك بيان عذرها في مطلبها من رسول الله ﷺ.
(فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة) أي أريدك في خلوة، بعيدا عن الناس وعن أصحابك الذين هم معك الآن.
[ ٩ / ١٧١ ]
(فقال: يا أم فلان) منطوقه ﷺ كنيتها الحقيقية، وهو ظاهر في أنه كان يعرفها جيدا.
(انظري أي السكك شئت) أي اختاري مكانا في أي طريق من الطرق.
(حتى أقضي لك حاجتك) أي حتى أجيبك إلى طلبك بعيدا عن سماع الناس.
(فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها) معطوف على محذوف، أي فاختارت مكانا، فوافقها عليه، فخلا معها، والتعبير بـ "معها" فيه إشارة أنه لم يقصد الخلوة بها.
-[فقه الحديث]-
قال النووي في هذه الأحاديث
١ - بيان بروزه ﷺ للناس، وقربه منهم، ليصل إليه أهل الحقوق، ويرشد مسترشدهم، وليشاهدوا أفعاله وحركاته، فيقتدى بها، وهكذا ينبغي لولاة الأمور.
٢ - وفيها صبره ﷺ على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين، وإجابته من سأله حاجة، أو تبريكا بمس يده، وإدخالها في الماء.
٣ - وفيه التبرك بآثار الصالحين.
٤ - وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره ﷺ.
٥ - وتبركهم بإدخال يده الكريمة في أوانيهم.
٦ - وتبركهم بشعره الكريم.
٧ - وإكرامهم إياه أن يقع شيء منه إلا في يد رجل منهم.
٨ - وبيان تواضعه ﷺ، بوقوفه مع المرأة الضعيفة، ليقضي لها حاجتها، قال: ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها، لأن مسألتها كانت مما لا تظهرها الناس.
هذا، ومن التبرك بآثاره حديث أبي أيوب الأنصاري (رقم/ ٢١) في باب أكل التمر والثوم.
ومن التبرك بشعره ﷺ حديث حلقه ﷺ في الحج وتوزيع شعره على الصحابة وقد سبق في كتاب الحج.
والله أعلم
[ ٩ / ١٧٢ ]