٥٣٠٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم. ولا بالجعد القطط ولا بالسبط. بعثه الله على رأس أربعين سنة. فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة. وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
٥٣٠٥ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁، بمثل حديث مالك بن أنس، وزاد في حديثهما: كان أزهر.
٥٣٠٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين. وعمر وهو ابن ثلاث وستين.
٥٣٠٧ - عن عائشة ﵂؛ أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب. بمثل ذلك.
٥٣٠٨ - عن عمرو قال قلت لعروة كم كان النبي ﷺ بمكة؟ قال: عشرا. قال: قلت: فإن ابن عباس يقول: ثلاث عشرة.
٥٣٠٩ - عن عمرو قال: قلت لعروة: كم لبث النبي ﷺ بمكة؟ قال: عشرا. قلت: فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة. قال: فغفره، وقال: إنما أخذه من قول الشاعر.
[ ٩ / ١٩٩ ]
٥٣١٠ - عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ مكث بمكة ثلاث عشرة. وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.
٥٣١١ - عن ابن عباس ﵄ قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه. وبالمدينة عشرا. ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
٥٣١٢ - عن أبي إسحق قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عتبة. فذكروا سني رسول الله ﷺ. فقال بعض القوم: كان أبو بكر أكبر من رسول الله ﷺ، قال عبد الله: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. ومات أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين. وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين. قال: فقال رجل من القوم، يقال له عامر بن سعد: حدثنا جرير قال: كنا قعودا عند معاوية. فذكروا سني رسول الله ﷺ. فقال معاوية: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة. ومات أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين. وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين.
٥٣١٣ - عن جرير أنه سمع معاوية يخطب فقال: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. وأبو بكر وعمر. وأنا ابن ثلاث وستين.
٥٣١٤ - عن عمار مولى بني هاشم قال: سألت ابن عباس: كم أتى لرسول الله ﷺ يوم مات؟ فقال ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذاك. قال: قلت: إني قد سألت الناس فاختلفوا علي. فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال: أتحسب؟ قال: قلت: نعم. قال: أمسك أربعين بعث لها. خمس عشرة بمكة. يأمن ويخاف. وعشر من مهاجره إلى المدينة.
[ ٩ / ٢٠٠ ]
٥٣١٥ - عن ابن عباس ﵄؛ أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين.
٥٣١٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة. يسمع الصوت، ويرى الضوء، سبع سنين، ولا يرى شيئا. وثمان سنين يوحى إليه. وأقام بالمدينة عشرا.
-[المعنى العام]-
يشتهر العرب بالمعمرين الذين يبلغون ما فوق السبعين، ربما لبيئة الصحراء، قليلة الأمراض، نقية الهواء، وربما لقلة مشاغلهم ومشاكلهم.
والأعمار الحقيقية لا تقاس بالسنين، فالأزمنة ظروف لما يحدث فيها، وقيمتها بقيمة ما يشغلها.
فلو أن عملا ما تم في شهر مع إنسان، وتم هو نفسه مع إنسان آخر في عام كانت قيمة العام عند هذا مساوية لقيمة الشهر عند ذاك.
ومن هنا نعجب كل العجب لما أحدثه رسول الله ﷺ في الإنسانية من نهضة وتطور في زمن يقل عن ثلاثة وعشرين عاما، فقد أوحي إليه ﷺ وهو ابن أربعين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.
كانت ساعاته بأيام عند غيره، وما رجع من غزوة إلا وري بأخرى، وما جلس في المسجد إلا دعا ونصح وبلغ، يلقى جبريل، ويلقى أصحابه، ويلقى أعداءه، ويدير مملكة يحاربها خصوم ألداء من جهات متعددة، ويطبق شريعة الله، ويقضي بين الناس، وهو القائد في الحرب، الوالد في السلم، ولقد عظمت المسئولية لعظمة المسئول.
حقا. إن المرء ليعجب، ولا يعجب من سؤال الصحابة بعضهم بعضا عن عمره ﷺ، ما قضاه منه في مكة بعد البعثة وقبل الهجرة، وما قضاه ﷺ بالمدينة بعد الهجرة.
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ٩ / ٢٠١ ]
-[المباحث العربية]-
(بعثه الله على رأس أربعين سنة) أي أوحى إليه عند تمامه أربعين سنة.
(فأقام بمكة عشر سنين) أي بعد بدء الوحي.
(وبالمدينة عشر سنين) ابتداء من الهجرة، حتى الوفاة.
(وتوفاه الله على رأس ستين سنة) من تاريخ ولادته.
(كم كان النبي ﷺ بمكة؟) أي كم سنة أقام بمكة بعد أن بعث؟ وفي ملحق الرواية الرابعة "كم لبث النبي ﷺ بمكة"؟
(فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة) فسر البضع في الرواية السادسة بثلاث ولفظها "مكث بمكة ثلاث عشرة" أي بعد أن بعث.
(قال: فغفره) بفتح الغين، وتشديد الفاء المفتوحة، أي دعا عروة لابن عباس بالمغفرة، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "فغفره" أي قال: غفر الله له، وهذه اللفظة يقولونها غالبا لمن غلط في شيء. فكأنه قال: أخطأ غفر الله له. قال القاضي: وفي رواية ابن ماهان "فصغره" بصاد ثم غين، أي استصغره عن معرفة هذا، وعن إدراكه وضبطه.
(وقال: إنما أخذه من قول الشاعر) أي استمد ابن عباس هذا القول من قول الشاعر، وليس له علم بذلك، والشاعر المقصود هنا هو أبو قيس، صرمة بن أبي أنس، حيث يقول:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة
يذكر، لو يلقى خليلا مواتيا
أي يتمنى أن يلقى صاحبا يسلم ويتبعه، قال القاضي: وقد وقع هذا البيت في بضع نسخ صحيح مسلم، وليس هو في عامتها. قال النووي: وأبو قيس هذا أنصاري من بني النجار، كما قال ابن إسحق، قال: كان قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، واتخذ بيتا له مسجدا، لا يدخل عليه حائض ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم، فلما قدم النبي ﷺ المدينة أسلم، فحسن إسلامه، وهو شيخ كبير، وكان قوالا بالحق، وكان معظما لله تعالى في الجاهلية يقول الشعر في تعظيمه ﷾. اهـ.
(فذكروا سني رسول الله ﷺ) بكسر السين وكسر النون مخففة، وأصلها "سنين" حذفت النون للإضافة، لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، أي تذاكروا عمر النبي ﷺ، وعدد السنين التي عاشها.
(كان أبو بكر أكبر من رسول الله ﷺ) وهذا خطأ باتفاق الجمهور.
(مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر) الخبر محذوف للعلم به من المقام، أي وأبو بكر وعمر ماتا وكل منهما ابن ثلاث وستين.
[ ٩ / ٢٠٢ ]
(وأنا ابن ثلاث وستين) يقول معاوية: وأنا الآن ابن ثلاث وستين. والجملة مستأنفة، يقصد وأنا أتوقع موافقتهم، فأموت في سنتي هذه، قيل: عاش سبعا وسبعين سنة.
(عن عمار، مولى بني هاشم، قال: سألت ابن عباس: كم أتى لرسول الله ﷺ يوم مات؟) أي كم من الدهر والسنين أتى على حياته ﷺ يوم مات؟
(ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذاك) ظن ابن عباس أن عمارا يسأل لخفاء الأمر عليه، ليعلم، والحقيقة أن عمارا كان يسأل للتقرير، وليتأكد من الخبر الشائع عن شذوذ ابن عباس بقوله. ولذلك كان جوابه: إني قد سألت الناس - أي الصحابة - فاختلفوا علي، فأحببت أن أعلم قولك في هذا الأمر.
(قال: أتحسب) بضم السين، من الحساب، أي أتعرف الجمع؟
(أربعين بعث لها) أي بعث عندها. أضف إليها.
(خمس عشرة بمكة، يأمن ويخاف) أي بعد أن أوحي إليه أقام بمكة خمس عشرة سنة، يسر بالدعوة ويجهر بها.
(وعشر من مهاجرة إلى المدينة) "عشر" غير منون، على نية الإضافة، أي وعشر سنين، مبتدئة من تاريخ هجرته إلى وفاته.
(أقام النبي ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت، ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئا، وثمان سنين يوحى إليه) قال القاضي: أي يسمع صوت الهاتف به من الملائكة، ويرى نور الملائكة، أو نور آيات الله، حتى رأى الملك بعينيه، وشافهه بوحي الله تعالى.
-[فقه الحديث]-
يحسن بنا أن نسرد الأقوال منضبطة، ثم نرجح أو نجمع بينها، أو نختار.
فعن تاريخ ميلاده ﷺ يقول النووي: ولد عام الفيل على الصحيح المشهور، وقيل: بعد الفيل بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وادعى القاضي عياض الإجماع على عام الفيل، وليس كما ادعى.
واتفقوا على أنه ولد يوم الإثنين في شهر ربيع الأول، واختلفوا: هل هو ثاني الشهر؟ أم ثامنه؟ أم عاشره؟ اهـ. وهذه الأقوال غير منسجمة، فإذا كان هناك اتفاق على يوم الإثنين أمكن تحديد وضعه من الشهر هكذا. ثانيه أو تاسعه؟ أو سادس عشره؟ . أما أن يكون الإثنين ثانيا أو ثامنا أو عاشرا أو ثاني عشره فغير معقول.
وسبب هذا الاختلاف أن العرب لم يكونوا يكتبون، ولا يقيدون المواليد، والإنسان يحتاج تاريخ الميلاد غالبا عندما يصبح مهما، أي بعد ميلاده بفترة، تنسى تاريخ الميلاد غالبا.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
أما تاريخ وفاته ﷺ فقد اتفقوا على أنه توفي يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، ضحى.
وأما متى بعث؟ وعند أي سنة من عمره أوحي إليه، فالصواب المشهور أنه ﷺ بعث على رأس أربعين من عمره، وحكى القاضي عياض عن ابن عباس وسعيد بن المسيب رواية شاذة "أنه ﷺ بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة.
ولعل هذه الرواية حسبت البعثة من تاريخ عودة الوحي بعد أن فتر.
واتفقوا على أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين.
والخلاف الواضح في الروايات إنما هو في المدة التي أقامها بمكة بعد البعثة، مما ترتب على هذا الخلاف خلاف في عمره ﷺ ككل.
فالرواية الأولى تصرح بأنه ﷺ أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين، وبعث على رأس الأربعين، وأقام بالمدينة عشر سنين، فتوفي على رأس الستين، وهي مروية عن أنس ﵁.
وفي البخاري عن عائشة وابن عباس.
والرواية الرابعة وملحقها تنسب لعروة أنه ﷺ أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين وأن عروة أنكر على ابن عباس قوله "ثلاث عشرة" وعليه فعروة يعتبر عمره ﷺ حين وفاته ستين سنة، على خلاف ما عليه الجمهور، وما نسب إلى ابن عباس في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة يتفق مع قول الجمهور، وقد روي أيضا في البخاري عن عائشة ﵂.
أما الرواية التاسعة فتنسب لابن عباس أن الإقامة بمكة بعد البعثة خمس عشرة سنة، والبعثة على رأس الأربعين، فيكون عمره ﷺ حين الوفاة خمسا وستين، وقد صرحت بذلك الرواية العاشرة، فيكون هذا رأيا لابن عباس مخالفا للجمهور.
فتحصل من هذا:
قول بأنه ﷺ توفي وهو ابن ستين سنة.
وقول بأنه ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين سنة.
وقول بأنه ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال النووي: وهو أصح الأقوال وأشهرها، رواه مسلم هنا من رواية عائشة وأنس وابن عباس، ﵃.
وتأول الجمهور الروايات الأخرى، تأول رواية الستين بأنه اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر، وتأول روايات الخمس والستين بالجبر إلى نصف العقد، أو أن هذه الروايات حصل فيها اشتباه، فلصاحبها روايات بخلافها.
[ ٩ / ٢٠٤ ]
قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أن كل من روى عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو ثلاث وستون - جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس.
ثم قال: ومن الشذوذ ما رواه عمر بن شبة أنه عاش إحدى أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثا وستين وكذا رواه ابن عساكر من وجه آخر أنه عاش اثنتين وستين ونصفا، وهذا يصح على قول من قال: ولد في رمضان، وهو قول شاذ.
والله أعلم
[ ٩ / ٢٠٥ ]