٥٤٢٢ - عن عائشة ﵂ قالت: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة" قالت: وسمعنا صوت السلاح. فقال رسول الله ﷺ: "من هذا؟ " قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! جئت أحرسك. قالت عائشة: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه.
٥٤٢٣ - أن عائشة ﵂ قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة. فقال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة" قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح. فقال: "من هذا؟ " قال: سعد بن أبي وقاص. فقال له رسول الله ﷺ: "ما جاء بك؟ " قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه. فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام وفي رواية ابن رمح: فقلنا من هذا؟ .
٥٤٢٤ - وفي رواية عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قالت عائشة: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة. بمثل حديث سليمان بن بلال.
٥٤٢٥ - عن علي ﵁ قال: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد، غير سعد بن مالك. فإنه جعل يقول له يوم أحد: "ارم فداك أبي وأمي".
٥٤٢٦ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد.
[ ٩ / ٣٣٨ ]
٥٤٢٧ - عن عامر بن سعد، عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد. قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي ﷺ: "ارم فداك أبي وأمي" قال: فنزعت له بسهم، ليس فيه نصل فأصبت جنبه، فسقط، فانكشفت عورته فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه.
٥٤٢٨ - عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه. ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك. وأنا أمك. وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها. فجعلت تدعو على سعد. فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾ وفيها ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة. فإذا فيها سيف فأخذته. فأتيت به الرسول ﷺ. فقلت: نفلني هذا السيف. فأنا من قد علمت حاله. فقال: "رده من حيث أخذته" فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه. فقلت: أعطنيه. قال فشد لي صوته "رده من حيث أخذته" قال فأنزل الله ﷿ ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ قال ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني. فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال: فأبى قلت: فالنصف قال: فأبى قلت: فالثلث قال: فسكت. فكان بعد الثلث جائزا قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم. قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته. فأنزل الله ﷿ في - يعني نفسه - شأن الخمر: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾
٥٤٢٩ - عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ أنه قال: أنزلت في أربع آيات. وساق
[ ٩ / ٣٣٩ ]
الحديث، بمعنى حديث زهير، عن سماك، وزاد في حديث شعبة: قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا. ثم أوجروها. وفي حديثه أيضا: فضرب به أنف سعد ففزره. وكان أنف سعد مفزورا.
٥٤٣٠ - عن سعد ﵁: في نزلت: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ قال: نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم. وكان المشركون قالوا له: تدني هؤلاء؟ ! .
٥٤٣١ - عن سعد ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر. فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه. فأنزل الله ﷿ ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾
-[المعنى العام]-
سعد بن أبي وقاص ﵁ من أوائل السابقين إلى الإسلام، ومن كبار المجاهدين من الصحابة، كان مشهورا بالفروسية والشجاعة والذكاء والفراسة وبعد النظر شارك الرسول ﷺ في غزواته وضرب المثل الأعلى في حبه للرسول ﷺ والحرص عليه وحمايته من كل سوء وكان يحرسه مما يخاف عليه منه، يقف على بابه ساهرا مستعدا بسلاحه في السلم ويفديه بصدره في الحرب وعند الشدائد يعرف الحب والإخلاص وفي الأزمات تتبين المعادن الأصيلة لقد هزم المسلمون في أحد وفاجأت الصدمة الشجعان فأذهلتهم وممن غشي عليه سعد بن أبي وقاص، انتبه فوجد نفسه على الأرض، أفاق فوجد أمامه رسول الله ﷺ وقد أحاط به المشركون وليس معه إلا أقل من عشرة من المسلمين يحيطون به، ويقدمون نحورهم فداء لنحره، وسعد من كبار الرماة، تحسس جعبة سهامه فوجدها مليئة، وتحسس نبله فوجده جاهزا، فأخذ يرمي المشركين حتى نفدت سهام جعبته، وإذا برسول الله ﷺ ينثر له جعبته، ويقول له: ارم يا سعد! فداك أبي وأمي، ويرمي سعد فتنفد السهام فيرى رسول الله ﷺ بعض الصحابة العائدين بعد فرار فيقول لهم: انثروا جعبكم أمام سعد ويظل سعد يرمي في نحور المشركين حتى بعدوا عن رسول الله ﷺ وانصرفوا عن المسلمين.
وكانت دعوة النبي ﷺ له: اللهم! سدد رميته، وأجب دعوته، فكان مجاب الدعوة، كما كان سديد الرمي، وبعد رسول الله ﷺ عاون أبا بكر في حروبه، وعينه عمر ﵁ قائدا لجيوش المسلمين في حربهم لكسرى ففتح بلاد كسرى وفتح العراق وبنى مدينة الكوفة وعينه عمر ﵁ واليا على الكوفة ولما عزله عمر استجابة لشكاية من بعض أهلها وكانت تهما باطلة قال في وصيته: لم أعزله عن قصور ورشحه أحد الستة الذين حصر الخلافة فيهم من بعده، وأوصى بالاستعانة به.
[ ٩ / ٣٤٠ ]
﵁ وأرضاه ورضي عن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة) "أرق" بفتح الهمزة وكسر الراء وفتح القاف أي سهر ولم يأته نوم في الرواية الثانية "سهر رسول الله ﷺ، مقدمه المدينة ليلة" أي في أوائل إقامته بالمدينة وعند البخاري "كان النبي ﷺ سهر فلما قدم المدينة "وفي ليلة من الليالي بعد أن تزوج عائشة، وكان يخاف غدر اليهود "قال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة" ولم يبين زمان السهر، وظاهر أن السهر كان قبل القدوم والقول بعده، وظاهر روايتنا أن السهر والقول معا كانا بعد القدوم وعند النسائي "كان رسول الله ﷺ أول ما قدم المدينة يسهر من الليل" وعند أحمد "أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ " الحديث، وعند الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿والله يعصمك من الناس﴾
(قالت: وسمعنا صوت السلاح) في الرواية الثانية "فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح" أي صوت سلاح، صدم بعضه بعضا.
(فقال رسول الله ﷺ من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله جئت أحرسك) في الرواية الثانية "فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ: ما جاء بك؟ قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ".
(فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه) الغطيط صوت النائم المرتفع.
(ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد، غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي) المعنى: ما جمع في التفدية بين أبويه، ولكنه كان كثيرا ما يقول: فداك أبي - فقط وفي الرواية الرابعة يقول سعد: لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد" وفي نفي جمع أبويه عن غير سعد نظر فقد ثبت - وسيأتي - أن النبي ﷺ جمع أبويه للزبير بن العوام يوم الخندق، ويجمع بينهما بأن عليا ﵁ لم يطلع على ذلك أو مراده تقييد ذلك بيوم أحد ويؤيد الجمع الأول رواية البخاري "عن علي ﵁ قال: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك فإني سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبي وأمي".
وتوضح الروايات سبب هذه التفدية، ففي البخاري عن سعد ﵁ "نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد فقال: ارم فداك أبي وأمي" "نثل" أي نفض، والكنانة جعبة السهام وتكون غالبا من جلود، وعند الحاكم عن سعد ﵁ قال: "جال الناس يوم أحد تلك الجولة" أي انهزموا وفروا "فتنحيت، فقلت: أذود عن نفسي، فإما أن أنجو وإما أن أستشهد فإذا رجل محمر الوجه - وقد كاد المشركون أن يركبوه، فملأ يده من الحصى، فرماهم وإذا بيني وبينه المقداد فأردت أن أسأله عن الرجل، فقال لي: يا سعد هذا رسول الله ﷺ يدعوك،
[ ٩ / ٣٤١ ]
فقمت، وكأنه لم يصبني شيء من الأذى وأجلسني أمامه فجعلت أرمي " وقد روى مسلم عن ظروف هذه التفدية، عن أنس ﵁ قال "أفرد رسول الله ﷺ يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش" وكأن المراد بالرجلين طلحة وسعد.
(كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين) أي أثخن فيهم، وأكثر وبالغ في جرحهم وقتلهم، وعمل فيهم نحو عمل النار.
(قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل) أي رميته بسهم ليس فيه زج، أي رماه بعود من الخشب ليس في طرفه الحديدة النفاذة الجارحة.
(فأصبت جنبه) قال النووي: بالجيم والنون، هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها "حبته" بحاء مفتوحة وباء مشددة مفتوحة بعدها تاء، أي حبة قلبه.
(فسقط، فانكشفت عورته) أي وقع على جنبه، فرفع الإزار عن عورته.
(فضحك رسول الله ﷺ) فرحا بإصابته وسقوطه وليس لانكشاف عورته.
(حتى نظرت إلى نواجذه) بالذال أي أنيابه أو أضراسه.
(أنه نزلت فيه آيات من القرآن) أي كان سببا في نزولها.
(حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا، حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب) أي حتى يكفر بالإسلام.
وأمه خمرة بنت سفيان بن أمية بنت عم أبي سفيان بن حرب بن أمية وهذه العلاقة وحدها كافية في تبرير موقفها، أو فهمه، رغم أن السيدة أم حبيبة من السابقات وهي ابنة أبي سفيان.
(مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد) أي ثلاث ليال لا تأكل ولا تشرب حتى غشي عليها من التعب.
(فقام ابن لها يقال له: عمارة، فسقاها) في الرواية السابعة "فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها" أي أو يسقوها "شجروا فاها بعصا" أي فتحوا فاها، ووضعوا فيه عصا لئلا تطبق، ثم صبوا الطعام فيصل جوفها رغم أنفها. قال النووي: هكذا صوابه "شجروا" بالشين والجيم والراء، وهكذا هو في جميع النسخ قال القاضي: ويروى "شحوا فاها" بالحاء وحذف الراء، ومعناه قريب من الأول، أي أوسعوه وفتحوه، والشحو التوسعة، ودابة شحو، واسعة الخطو، ويقال: أوجره ووجره، لغتان، الأولى أفصح وأشهر. اهـ.
وفي كتب اللغة: الوجور، بفتح الواو وضمها الدواء يصب في الحلق، وأوجر الناس العليل، صبوا الوجور في حلقه.
(فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي﴾ وفيها ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾)
[ ٩ / ٣٤٢ ]
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والطبراني وابن عساكر، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "كنت برا بأمي، لما أسلمت قالت: يا سعد، وما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا، أو لا آكل ولا أشرب، حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه. قلت لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوما وليلة لا تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوما وليلة لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين. والله! لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فنزلت هذه الآية".
(وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به الرسول ﷺ فقلت: نفلني هذا السيف) أي أعطنيه نافلة زائدة على حقي "فأنا من قد علمت حاله" جهادا وشجاعة وكفاءة "فقال: رده من حيث أخذته قال: فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض" بفتح القاف والباء الموضع الذي يجمع الغنائم "لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه. فقال: فشد لي صوته: رده من حيث أخذته قال: فأنزل الله ﷿ ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ أي الأنفال لرسول الله ﷺ يمنحها لمن يشاء، وقد جاء أن النبي ﷺ بعد نزول الآية أرسل إلى سعد أن يأخذ السيف فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في السنن عن سعد ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله قد شفاني الله تعالى اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف. قال: إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي، وإذا رجل يدعوني من ورائي، فقلت: قد أنزل في شيء، قال ﵊: كنت سألتني هذا السيف، وليس هو لي، وإني قد وهب لي، فهو لك، وأنزل الله هذه الآية ﴿يسألونك عن الأنفال﴾
(ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ) كان هذا المرض بمكة في حجة الوداع، وعاش سعد بعدها أزيد من أربعين سنة.
(فكان بعد الثلث جائزا) أي لم ينزل في هذا قرآن، بل السنة قيدت القرآن، في قوله ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء: ١٢] فالوصية في القرآن مطلقة، والسنة قيدتها بالثلث. والموضوع مبسوط في كتاب الوصية.
(فأتيتهم في حش. والحش البستان) بفتح الحاء وتشديد الشين.
(فإذا رأس جذور مشوي عندهم) "مشوي" بالرفع، صفة لرأس، والجذور ما يصلح لأن يذبح من الإبل، ذكرا أو أنثى، ولفظه أنثى يقال للبعير: هذه جذور سمينة، والجمع جزائر وجزر، والجزر بفتح الجيم وسكون الزاي النحر، يقال: جزر الجزور نحرها فهو جازر وجزار وجزير.
(وزق من خمر) أي عندهم فزق معطوف على "رأس" أو مبتدأ خبره محذوف والجملة معطوفة على الجملة، والزق بكسر الزاي وعاء من جلد، يجز شعره ولا ينتف، يستخدم إناء للشراب وغيره وجمعه أزقاق، وزقاق.
[ ٩ / ٣٤٣ ]
(فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم) بضم الذال وكسر الكاف وفتح الراء بالبناء للمجهول، وفي بعض النسخ بفتح الذال والكاف وسكون الراء وضمير المتكلم "فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم" وفي رواية "فتفاخرنا" فقلت: المهاجرون خير من الأنصار.
(فقلت: المهاجرون خير من الأنصار) في بعض النسخ "المهاجرين خير من الأنصار" والصحيح الأول.
(فأخذ رجل أحد لحيي الرأس، فضربني به) أي فأخذ رجل من الأنصار - يدافع عن الأنصار - واللحاء بكسر اللام، ويقصر - من كل شيء قشره، ولحاء التمرة ما كسا النواة وليس ما هنا منه، بل تثنية لحي، بفتح اللام وسكون الحاء وتحريك الياء، وهو منبت اللحية من الإنسان وغيره، وهما لحيان، واللحيان بفتح اللام حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم، من كل جانب لحي، ويكون للإنسان والدابة وهو المراد هنا.
(فجرح بأنفي) "جرح" تتعدى بنفسها، فالمفعول محذوف، والباء بمعنى "في" أي جرحني في أنفي، في الرواية السابعة "فضرب به أنف سعد ففزه وكان أنف سعد مفزورا" أي فشقه قال الراوي: وكان أنف سعد مفزورا أي بقي أثر الضربة في أنف سعد بقية حياته.
(فأنزل الله تعالى في - يعني نفسه - شأن الخمر) ذكر العلماء هذا سببا لنزول الآية ﴿إنما الخمر والميسر﴾ وذكر بعضهم سببا أو أسبابا أخرى، وتعدد الأسباب لنازل واحد كثير.
(في نزلت ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ [الأنعام: ٥٢] قال: نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا له: تدني هؤلاء)؟ وفي الرواية التاسعة عن سعد ﵁ قال "كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا" أي لئلا يجترءوا علينا، ويطمعوا فينا، ويلغوا الفوارق بيننا وبينهم إن نحن أسلمنا، فكانوا معنا، أي اطردهم لنسلم "قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما" وقد أخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال "مر الملأ من قريش على النبي ﷺ، وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فأنزل الله تعالى فيهم القرآن".
(فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله ﷿ ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾) وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل وغيرهم، عن خباب ﵁ قال "جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا: نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف العرب له فضلنا فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا قعودا مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت.
[ ٩ / ٣٤٤ ]
قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة، ودعا عليا ﵁ ليكتب، ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿ولا تطرد الذين﴾ إلخ، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: "سلام عليكم. كتب ربكم على نفسه الرحمة" فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، قام وتركنا فأنزل الله تعالى ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ [الكهف: ٢٨] إلخ، فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم"
وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال: مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة وقرظة ابن عبد عمرو بن نوفل والحارث بن عامر ومطعم بن عدي في أشراف الكفار من عبد مناف، إلى أبي طالب، فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد والحلفاء كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي ﷺ فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت يا رسول الله؟ حتى ننظر ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه من أمرهم؟ فأنزل الله تعالى ﴿وأنذر به الذين يخافون﴾ إلى قوله ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة، وصبيحا مولى أسيد، والحلفاء بن مسعود والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو، ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم".
-[فقه الحديث]-
سعد بن مالك بن أهيب - ويقال له: وهيب - بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، أبو إسحاق، ابن أبي وقاص، أحد العشرة، وآخرهم موتا، أحد فرسان الصحابة وأول من رمى بسهم في سبيل الله وأحد الستة أهل الشورى، وقال عمر في وصيته الماضية: إن أصابته الإمرة فذاك، وإلا فليستعن به الوالي، وكان رأس من فتح العراق، وولى الكوفة لعمر سنة إحدى وعشرين، وهو الذي بناها، وعزله عمر عنها، وأعاده عثمان إليها، ثم عزله، ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة، ولزم بيته، مات بقصره بالعقيق على بعد عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها على الأعناق، ودفن بالبقيع، وصلى عليه مروان بن الحكم مات سنة خمس وخمسين على الأشهر، ولما حضره الموت دعا بجبة له، خلقة، من صوف، فقال: كفنوني فيها، فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر، وهي علي، وإنما كنت أخبؤها لهذا، وهو الذي فتح مدائن كسرى وأكثر مدن فارس، وله كان فتح القادسية وغيرها.
وكان سابع سبعة أسلموا، أسلم وهو ابن تسع عشرة سنة، وشهد بدرا والحديبية، وسائر المشاهد، دعا له رسول الله ﷺ: اللهم سدد سهمه وأجب دعوته فكان مجاب الدعوة أخرج البخاري عن جابر بن سمرة قال: "شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁، شكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق أما أنا والله! فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق" وقال أحد الشاكين: "إن سعدا لا يسير بالسرية" أي لا يخرج للجهاد مع السرايا "ولا يقسم السوية ولا يعدل في القضية" فدعا عليه سعد ثلاث دعوات قال: "اللهم! إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن" فطال عمره، حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن، وكان يقول: شيخ كبير مفتون. أصابته دعوة سعد.
[ ٩ / ٣٤٥ ]
-[ويؤخذ من أحاديث الباب]-
١ - من الرواية الأولى والثانية جواز الاحتراس من العدو والأخذ بالحزم وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط قال النووي: قال العلماء: وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] لأنه ﷺ ترك الاحتراس حين نزلت الآية - أي ترك الحراسة وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته، وقد صرح في الرواية الثانية بأن هذا الحديث الأول كان في أول قدومه المدينة ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: وإنما عانى ﷺ ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وأيضا فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب لأن التوكل عمل القلب، وتعاطي الأسباب عمل البدن وقد قال إبراهيم ﵇ ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ وقال ﵊ "اعقلها وتوكل" قال ابن بطال: نسخ ذلك، كما دل عليه حديث عائشة، وقال القرطبي: ليس في الآية ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ما ينافي الحراسة، كما أن إعلان الله نصر دينه وإظهاره لم يمنع الأمر بالقتال وإعداد العدة وعلى هذا فالمراد من العصمة العصمة من الفتنة والإضلال.
٢ - وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم، خشية القتل.
٣ - والثناء على من تبرع بالخير، وتسميته صالحا.
٤ - وفيه جواز التفدية بالأبوين، قال النووي: وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري، ﵄ وكرهه بعضهم بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقا، لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو كلام، وإلطاف وإعلام بمحبته له، ومنزلته وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقا، وقد جمع رسول الله ﷺ أبويه للزبير ولغيره أيضا.
٥ - وفيه فضيلة الرمي، والحث عليه.
٦ - ومن قوله "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني" جواز التمني، وقول لو.
والله أعلم
[ ٩ / ٣٤٦ ]