٥٤٦٨ - عن عائشة ﵂، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "أريتك في المنام ثلاث ليال. جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك. فإذا أنت هي. فأقول: إن يك هذا من عند الله، يمضه".
٥٤٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى" قالت: فقلت ومن أين تعرف ذلك؟ قال "أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد! وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم" قالت: قلت أجل والله! يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك.
٥٤٧٠ - وفي رواية عن هشام بن عروة بهذا الإسناد إلى قوله: "لا ورب إبراهيم" ولم يذكر ما بعده.
٥٤٧١ - عن عائشة ﵂ أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ قالت: وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ قالت: فكان رسول الله ﷺ يسربهن إلي.
٥٤٧٢ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد. وقال في حديث جرير: كنت ألعب بالبنات في بيته. وهن اللعب.
٥٤٧٣ - عن عائشة ﵂ أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ.
[ ٩ / ٣٧٦ ]
٥٤٧٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي. فأذن لها. فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. وأنا ساكتة. قالت: فقال لها رسول الله ﷺ: "أي بنية! ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى. قال: فأحبي هذه" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله ﷺ فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة: والله! لا أكلمه فيها أبدا. قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة قالت: فاستأذنت على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها. فأذن لها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت: ثم وقعت بي فاستطالت علي. وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها.
قالت: فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر".
٥٤٧٥ - وفي رواية عن الزهري بهذا الإسناد مثله في المعنى غير أنه قال: فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها غلبة.
٥٤٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ " استبطاء ليوم عائشة. قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري.
[ ٩ / ٣٧٧ ]
٥٤٧٧ - عن عائشة ﵂ أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها وأصغت إليه وهو يقول: "اللهم! اغفر لي وارحمني. وألحقني بالرفيق".
٥٤٧٨ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أسمع أنه لن يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة قالت: فسمعت النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بحة يقول ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ قالت: فظننته خير حينئذ.
٥٤٧٩ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده في الجنة ثم يخير" قالت عائشة فلما نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى" قالت عائشة قلت إذا لا يختارنا قالت عائشة: وعرفت الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح في قوله: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير" قالت عائشة: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: "اللهم الرفيق الأعلى".
٥٤٨٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه. فطارت القرعة على عائشة وحفصة. فخرجتا معه جميعا. وكان رسول الله ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر؟ قالت: بلى فركبت عائشة على بعير حفصة وركبت حفصة
[ ٩ / ٣٧٨ ]
على بعير عائشة فجاء رسول الله ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم ثم سار معها. حتى نزلوا فافتقدته عائشة فغارت. فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب! سلط علي عقربا أو حية تلدغني رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا.
٥٤٨١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"
٥٤٨٢ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: "إن جبريل يقرأ عليك السلام" قالت: فقلت وعليه السلام ورحمة الله.
٥٤٨٣ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ: "يا عائش! هذا جبريل يقرأ عليك السلام" قالت: فقلت وعليه السلام ورحمة الله قالت: وهو يرى ما لا أرى.
-[المعنى العام]-
الصديقة بنت الصديق عائشة ابنة أبي بكر وأمها أم رومان كانت قبل أبي بكر تحت عبد الله بن الحارث الأزدي وكان قد قدم بها مكة فحالف أبا بكر قبل الإسلام وتوفي عن أم رمان بمكة بعد أن ولدت له الطفيل فتزوجها أبو بكر فولدت له عبد الرحمن وعائشة أسلمت وبايعت وهاجرت وتوفيت في حياة النبي ﷺ سنة ست من الهجرة على المشهور.
ولدت عائشة بعد المبعث بأربع سنين أو خمس، وخطبها النبي ﷺ وهي بنت ست وبعد أن جاءه جبريل ﵇ بصورتها في ثوب من حرير يحمله على كفه ويقول له: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة فكان ﷺ يكشف الثوب عن وجهها فيرى عائشة بنت أبي بكر فيعجب
[ ٩ / ٣٧٩ ]
إنها طفلة يراها صباح مساء وكان في هذه الفترة يذهب ﷺ إلى بيت أبي بكر مرة أو مرتين في اليوم إنها في هذه السن وفي هذا الجسم النحيل لا تصلح للزواج فكيف يفهم كلام جبريل؟ أهي بشرى سابقة لما سيقع بعد سنين؟ لكنها حق من عند الحق. فكان يقول: إن كان هذا قدر الله فسيقع.
وفي يوم من أيام الحزن على خديجة جاءته الخاطبة خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ فتخرج من هذا الحزن؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا؟ قال: فمن البكر؟ قالت: بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك واتبعتك قال: فاذهبي فاخطبيهما لي.
خطبها ﷺ على أساس الانتظار بدخولها حتى تنضج وتصلح ثم هاجر وهاجرت من بعده وبعد سنة من الهجرة دخل بها وهي بنت تسع سنين، وعاشت في بيته تسع سنين، تعطيه من عذوبة البنت، وحنان الأم وهي الصبية الصغيرة، وعواطف الزوجة الشابة الحبيبة، حتى كانت أحب الناس إليه.
روى ابن سعد أنها قالت: "فضلت بعشر أتاه الملك بصورتي في كفه لينظر إليها - تشير بذلك إلى روايتنا الأولى - ولم ينكح بكرا غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي" تشير إلى روايتنا الثالثة عشرة وما سيأتي في المباحث العربية، في رده ﷺ على أم سلمة، كما جاء في البخاري "وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، وقبض بين سحري ونحري، في بيتي وفي ليلتي" تشير إلى روايتنا السادسة والسابعة، "ودفن في بيتي" زاد في رواية "ورأيت جبرائيل، وكنت أحب نسائه إليه، ومرضته، فقبض ولم يشهده غيري والملائكة".
عاشت ﵂ بعد وفاة رسول الله ﷺ طويلا إذ ماتت سنة ثمان وخمسين في رمضان، وأمرت أن تدفن ليلا فدفنت بعد التراويح والوتر بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، ونزل قبرها خمسة: عبد الله وعروة، ابنا أختها، ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد، ابنا محمد أخيها، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر.
قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل.
﵂ وأرضاها بقدر ما خدمت الشريعة وبلغت حديث رسول الله ﷺ.
-[المباحث العربية]-
(أريتك في المنام ثلاث ليال) أي ثلاث مرات في ثلاث ليال أراه الله إياها أو أراه الملك إياها.
(جاءني بك الملك في سرقة من حرير) "سرقة" بفتح السين والراء وهي الشقق، أي
[ ٩ / ٣٨٠ ]
ملفوفة في أثواب وشرائح من حرير أبيض وفي كتب اللغة: السرق بفتح السين والراء شقق الحرير، أو أجوده، الواحدة سرقة. معرب.
(فيقول: هذه امرأتك) أي زوجتك في المستقبل.
(فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي) كأنها كانت ملفوفة بالحرير مغطاة الوجه وقول "أنت هي" مبتدأ وخبر، أو خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، أي فإذا صورتك هي التي كانت في اللفافة أو فإذا التي كانت في اللفافة تشبهك وفي رواية "لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني" ويجمع بينهما بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة والخرقة في راحته ويحتمل أن تكون نزل بالكيفيتين في مرتين.
(فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه) أي فأقول بعد اليقظة تفسيرا للرؤيا، و"إن يك" بحذف نون "يكن" تخفيفا وبأن التي للشك، وقد استشكل بأن الرسول ﷺ لا يشك في رؤياه، فهي وحي وأجيب باحتمال أن تكون قبل النبوة وقبل تخليص أحلامه ﷺ من الأضغاث والمعنى إن كانت رؤيا حق فسيمضيها الله.
وعلى فرض أنها بعد النبوة فالمراد: إن تكن الرؤيا على ظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير فسيمضيها الله تعالى وينجزها فالشك في كونها على ظاهرها لا تحتاج إلى تعبير.
وقيل: إن قوله "هذه امرأتك" يحتمل أن المراد هذه امرأتك في الآخرة أو هذه امرأتك في الدنيا فالشك في كونها زوجة في الآخرة فقط أو هي ستكون زوجة في الدنيا.
ويحتمل أنه لم يشك ولكن الخبر على التحقيق أي هو من عند الله وسيمضيه وأتى بصورة الشك كقوله ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى﴾ [سبأ: ٢٤] وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة ويسمونه تجاهل العارف وسماه بعضهم مزج الشك باليقين.
(إني لأعلم إذا كنت عني راضية) أكد الكلام بإن واللام لتنزيل عائشة منزلة المنكر للحكم وسبب هذا التنزيل إخفاؤها غضبها عنه ﷺ و"إذا" ظرف لمفعول "أعلم" المحذوف والتقدير: إني لأعلم شأنك وحالك وقت رضاك عني وقد استدل ابن مالك بمثل هذا الحديث على خروج "إذا" عن الظرفية، وإعرابها مفعول "أعلم" والجمهور على خلافه.
(ومن أين تعرف ذلك؟) أصل "أين" للمكان، والمراد هنا السببية، فكأنها قالت: بأي شيء تعرف ذلك؟ والمشار إليه مفعول "أعلم".
(أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا. ورب محمد) "لا" حرف نفي وقعت جوابا عن كلام سابق وجواب القسم محذوف والتقدير: ورب محمد لم أفعل.
(قلت: أجل) بفتح الهمزة والجيم حرف جواب بمعنى "نعم" يكون تصديقا للمخبر وإعلانا للمستخبر، ووعدا للطالب.
(والله - يا رسول الله - ما أهجر إلا اسمك) عبرت بالقسم والقصر لتأكيد مضمون
[ ٩ / ٣٨١ ]
الجملة وزيادة تقديره في ذهن الرسول ﷺ وإنما كان غضبها من شدة غيرتها عليه وقوة حبها له ﵊.
(أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ) المراد بالبنات هنا لعب الأطفال التي في شكل البنات والآدميين والحيوانات وغيرها، وقيل: المعنى أنها كانت تلعب مع البنات، أي مع الجواري والقرينات القريبات منها في السن، فالباء بمعنى "مع" ويرده ما جاء في رواية بلفظ "ولكن جواري يأتين فيلعبن بها معي" وما جاء في ملحق روايتنا بلفظ "كنت ألعب بالبنات، وهن اللعب" بضم اللام جمع لعبة.
وعند أبي داود والنسائي عن عائشة، قالت: "قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر. فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي قالت: ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان فقال: ما هذا؟ قلت: فرس قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك".
(عند رسول الله) أي في بيته كزوجة له وفي ملحق روايتنا "كنت ألعب بالبنات في بيته".
(وكانت تأتيني صواحبي) جمع صاحبة، أي يأتين ليلعبن معي.
(فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ) "ينقمعن" بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم، أي يتغيبن ويستخفين منه حياء منه وهيبة فيدخلن في حجرة أخرى أو يتسترن في زاوية أو وراء ستر حتى يمر، وأصله من قمع الثمرة أي يدخلن في الستر كما تدخل الثمرة في قمعها وفي رواية للبخاري "يتقمعن" بفتح التاء وتشديد الميم المفتوحة.
(فكان رسول الله ﷺ يسربهن إلي) "يسربهن" بضم الياء وفتح السين وكسر الراء المشددة بعدها باء أي يرسلهن ويرجعهن إلي ويطلب منهن أن يعدن إلى اللعب معي.
(أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ) هذه الرواية مقدمة أو جزء من الرواية الخامسة جمعها البخاري وأوضح قصتها، فروي عن عائشة ﵂ "أن نساء رسول الله ﷺ كن حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ أي بقيتهن وهن زينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجويرية وميمونة، ﵅". "وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله ﷺ عائشة فإذا كان عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ أخرها حتى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهدية هديته إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة".
يقصدون بذلك اختيار وقت المسرة ومكان المسرة ليزيد ذلك في سرور المهدى إليه ومع أن رسول الله ﷺ كان يشركهن في الهدايا إلا أن خروج الهدية من بيت عائشة ومن يدها يوحي بفضل لها وتميز في وضعها على قريناتها مما كان يؤلمهن لدرجة أن بعضهم كان يرفض الهدية ويردها أنفة وإباء وكان الأمر في نظرهن يتنافى مع العدل بين الزوجات ذاك شأن الحزب المقابل أما حزب عائشة فلم يكن عندهن غضاضة لذلك كان التجمع والتظاهر والتضرر والشكوى من حزب أم سلمة.
[ ٩ / ٣٨٢ ]
وعند ابن سعد "كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول الله ﷺ سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وعمارة بن حزم وأبو أيوب وذلك لقرب جوارهم من رسول الله ﷺ".
والتحري دقة القصد يقال: تحرى الشيء إذا قصده دون غيره.
(أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ) في رواية البخاري "فكلم حزب أم سلمة أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله ﷺ يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله ﷺ هدية فليهدها حيث كان من بيوت نسائه فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، أي حتى يجيبك على طلبك "فكلمته حين دار إليها أيضا" أي حين جاءها في ليلتها "فلم يقل لها شيئا فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك فدار إليها فكلمته، فقال لها: لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة قالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأرسلتها إلى رسول الله ﷺ".
(فاستأذنت عليه، وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها) أي ولم يغير من وضعه مع عائشة والتحافه وإياها في لحاف واحد مضطجعا، والمرط كساء من خز أو صوف أو كتان يؤتزر به وتتلفع به المرأة.
(فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة) أي وظلت ساكتة لم تتكلم عن فاطمة بشيء وعائشة ابنة ابن أبي قحافة فأضافتها إلى جدها وحذفت أباها وعند ابن سعد أن النبي ﷺ سألها "أرسلتك زينب؟ قالت: هي وغيرها قال: أهي التي وليت ذلك؟ قالت: نعم".
وفي رواية للبخاري "إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر" أي يطلبن منك العدل، وفي رواية "يناشدنك الله العدل: أي يسألنك بالله العدل".
(أي بنية) يعني يا بنية والتصغير للتمليح والتلطف.
(ألست تحبين ما أحب؟) التعبير بما، دون "من" ليشمل العاقل وغير العاقل والاستفهام تقريري أي قري بأنك تحبين ما أحب.
(قالت: بلى. قال: فأحبي هذه فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ) أي إلى الفريق الذي أرسلها.
(فأخبرتهن بالذي قالت: وبالذي قال لها رسول الله ﷺ فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدا) وفي رواية البخاري "فأبت أن ترجع".
(فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ) أي تعادلني وتضاهيني في الحظوة والمنزلة
[ ٩ / ٣٨٣ ]
الرفيعة مأخوذ من السمو وهو الارتفاع والمراد أنها كانت تعتز بقرابتها من رسول الله ﷺ فهي ابنة عمته وأن الله هو الذي زوجها رسول الله ﷺ صراحة وأمرا بخلاف عائشة فإن كون تزويجها من الله كان رؤيا وإشارة وأنها كانت شابة وجميلة وكان رسول الله ﷺ يحبها وإن كان بالدرجة الثانية بعد عائشة فالمراد أنها كانت تنافس عائشة على حبه وتقديره ﷺ وفي الكلام قصر طريقه تعريف الطرفين "هي التي" أي دون غيرها من نسائه ﷺ.
(ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى) المفضل في كل تفضيل مقدر، أي أتقى لله من زينب وأصدق حديثا من زينب إلخ وأصل "تصدق" و"تقرب" تتصدق وتتقرب.
وهذا المدح والثناء من عائشة وفاء وشكر لجميل موقف زينب من عائشة في حديث الإفك إذ قالت: والله ما علمت عنها إلا خيرا.
(ما عدا سورة من حدة، كانت فيها، تسرع منها الفيئة) قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "سورة من حد" بفتح الحاء بلا هاء وفي بعضها "من حدة" بكسر الحاء وبالهاء وقوله "سورة" هي بالسين المفتوحة ثم واو ساكنة ثم راء ثم تاء وهي الثوران وعجلة الغضب وأما الحدة فهي شدة الخلق وثورانه، قال: ومعنى الكلام أنها كاملة الأوصاف إلا أن فيها شدة خلق وسرعة غضب والفيئة بفتح الفاء والهمزة الرجوع أي إذا وقع ذلك منها رجعت عنه سريعا ولا تصر عليه وقد صحف صاحب التحرير في هذا الحديث تصحيفا قبيحا جدا فقال: "ما عدا سودة" بالدال، وجعلها سودة بنت زمعة وهذا من الغلط الفاحش نبهت عليه لئلا يغتر به.
(فاستأذنت على رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها) تشير بذلك إلى سرعة إرسالهن الرسل، وإلى طول مقام الرسول ﷺ معها في مرطها مضاجعا.
(فأذن لها رسول الله ﷺ) في رواية "فذهبت زينب حتى استأذنت فقال: ائذنوا لها"
(قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت علي) في رواية "فقالت: حسبك إذا برقت لك بنت ابن أبي قحافة ذراعيها" أي إذا كشفت لك ذراعيها، مال قلبك نحوها، وانصرف قلبك عنا، ومعنى "وقعت بي" أي عابتني يقال: وقع بفلان ووقع في فلان إذا سبه وعابه، أو اغتابه، ومعنى "استطالت علي" أي تطاولت علي وتكبرت علي وترفعت علي وأصله من مد العنق ليراه غيره وليبدو أطول، وفي رواية البخاري "فأغلظت".
(وأنا أرقب رسول الله ﷺ، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها؟) "أرقب" أي ألاحظ وأرصد وأنتظر والطرف العين أي أرصد حركاته وإشاراته وما تعبر عنه عينه هل يأذن لي بالرد عليها؟ والوقوع فيها كما وقعت في؟ .
(فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر) أي فلم
[ ٩ / ٣٨٤ ]
تغادر المكان، أو لم تتوقف عن مهاجمتي والإساءة إلي، حتى فهمت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أرد عليها.
قال النووي: وليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك، فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم ينهها. اهـ.
لكن روى النسائي وابن ماجه مختصرا، عن عائشة قالت: "دخلت على زينب بنت جحش، فسبتني، فرد عليها النبي ﷺ فأبت، فقال: سبيها فسببتها، حتى جف ريقها في فمها" قال الحافظ ابن حجر: فيمكن أن يحمل على التعدد اهـ قلت: وعلى أي حال فإنه يرد قول النووي ﵀ وانتصار المظلوم مشروع والإذن له بالانتصار مشروع وليس ذلك من قبيل خائنة الأعين، بل من أمينة الأعين، وعادلة الأعين.
(قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها، حتى أنحيت عليها) "لم أنشبها" أي لم أمهلها، وفي لسان العرب: يقال: لم ينشب أن فعل كذا، أي لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره ولا اشتغل بسواه، ومثل بحديث عائشة وزينب، وبقول عائشة في رواية "لم أنشب أن أثخنت عليها" وفي ملحق راويتنا الخامسة "فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها" أي بالغت في جراحها وغلبتها.
قال النووي: "حين أنحيت عليها" في بعض النسخ "حتى أنحيت عليها، وهو صحيح، ورجح القاضي "حين" بالنون ومعنى أنحيت عليها بالنون والحاء، أي حتى قصدتها واعتمدتها بالمعارضة.
(فقال رسول الله ﷺ وتبسم: إنها ابنة أبي بكر) أي أنها شريفة، عاقلة، عارفة كأبيها، وفي رواية النسائي "فرأيت وجهه يتهلل".
(إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد) يومي، ويسأل عنه استبطاء له، وتشوقا إليه، و"إن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والحال محذوف، وجملة "كان" خبرها.
(يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟) أي يقول ذلك في مرضه لزوجاته، زاد في رواية البخاري "حرصا على بيت عائشة، فلما كان يومي سكن" وفي رواية للبخاري "كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدا. أين أنا غدا - يريد يوم عائشة - فأذن له أزواجه، يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها" وفي رواية له "لما ثقل على النبي ﷺ واشتد به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له" وعند أحمد "أنه ﷺ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن، فإذا شئتن أذنتن لي" وعند ابن سعد بإسناد صحيح "أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف"
(فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري) أي فلما كان يومها الأصيل، بحسب الدور والقسم، وإلا فقد صارت جميع الأيام في بيتها والسحر بفتح السين وضمها، وإسكان الحاء هي الرئة وما تعلق بها، قيل والمراد به الصدر، قال القاضي: وقيل: إنما هو "شجري" بالشين والجيم، وشبك هذا القائل أصابعه وأومأ إلى أنها ضمته إلى نحرها، مشبكة يديها عليه. قال: والصواب
[ ٩ / ٣٨٥ ]
المعروف الأول. اهـ. وفي رواية للبخاري عن عائشة ﵂: "أنها كانت تقول: مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي" والحاقنة ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه، أو الحاقنة نقرة الترقوة، وقيل: ما دون الترقوة من الصدر وقيل: هي تحت السرة، والذاقنة طرف الحلقوم قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها ﷺ ورضي عنها قال: وهذا لا يغاير حديثها الذي فيه "أن رأسه كان على فخذها" لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها.
قال الحافظ: وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق "أن النبي ﷺ مات ورأسه في حجر علي" وكل طريق منها لا يخلو من شيعي فلا يلتفت إليهم ثم ساق الأحاديث وبين ما فيها من ضعف أو توجيه.
(وهو مسند إلى صدرها) في الأصول "مسند" بكسر النون أي مسند رأسه إلى صدرها.
(ألحقني بالرفيق الأعلى) في الرواية الثامنة "وأخذته بحة يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" وفي الرواية التاسعة "فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: اللهم الرفيق الأعلى" قال النووي: الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة "رفيق" تطلق على الواحد والجمع قال تعالى ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: ٦٩] وقيل: هو الله تعالى، يقال الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة فهو فعيل بمعنى فاعل وفي الحديث "إن الله رفيق يحب الرفق" وأنكر الأزهري هذا القول، مستشكلا برواية "مع الرفيق" ورواية "في الرفيق" قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه لتغليطه من هذه الجهة، لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ. اهـ. وقيل: أراد مرتفق الجنة. اهـ.
وعند النسائي وصححه ابن حبان "فقال: أسألك الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل" وظاهره المكان الذي تحصل فيه المرافقة مع المذكورين، وفي الرواية السابعة "قال: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق" وفي رواية "فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض" وقال الجوهري: الرفيق الأعلى الجنة.
قال السهيلي: والحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب وفي الرواية التاسعة "فلما نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف" أي رفعه إلى السماء ولم يطرف "ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى".
(كان رسول الله ﷺ إذا خرج) أي من المدينة مسافرا.
(أقرع بين نسائه) أي ضرب القرعة بينهن بأن كتب اسم كل واحدة منهن على سهم فخلطها، فأخرج من السهام سهما، وإذا أراد خروج اثنتين معه أخرج سهمين.
(فتنظرين وأنظر) أي فتنظرين لما يعاملك به على أنك أنا وأنظر إلى ما يعاملني به على أنني أنت والظاهر أنها كانت تريد أن تطلع حفصة على الإدلال والرقة وعبارات الحب التي تعامل بها عائشة مغايرة لحفصة وكانت عائشة تريد أن تطلع هي على موضوع أحاديثه مع حفصة.
[ ٩ / ٣٨٦ ]
(قالت: بلى) قبلت عائشة هذا الاقتراح مسرعة من غير روية اندفاعا بحب الاستطلاع فلما فكرت في الأمر ونفذت الفكرة أحست بآلامها وغيرتها.
(فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني) "جعلت" أي صارت "تجعل رجلها" أي تضع رجلها والإذخر نبات دقيق الساعد يكثر في الصحراء تختفي فيه الهوام غالبا، ودعاؤها هذا ليس مقصودا، فإجابته لن تدفع ما أصابها، وكأنها تقصد عقوبة نفسها على قبولها اقتراح حفصة، وإنما قالته من شدة الغيظ.
(رسولك. ولا أستطيع أن أقول له شيئا) "رسولك" خبر مبتدأ محذوف أي هذا رسولك بجوار حفصة، قريب مني، لا أتحمل بعده عني، لكن ماذا أفعل؟ لا أستطيع أن أكشف الحيلة، خوفا من غضبه ﷺ.
(يا عائش) منادى على الترخيم وهو حذف آخر المنادى، وفيه لغتان، لغة من ينتظر فيبقى الحرف الذي قبل الآخر على حركته قبل الحذف، وعلامة إعرابه على الحرف المحذوف ولغة من لا ينتظر فيحرك الحرف الذي قبل الآخر بحركات الإعراب.
(هذا جبريل) يشير إليه، وهو حاضر.
(يقرأ عليك السلام، قالت: فقلت: وعليه السلام ورحمة الله. قالت: وهو يرى ما لا أرى) أي ورسول الله ﷺ يرى جبريل ولا أراه وفي رواية البخاري "ترى ما لا أرى أريد رسول الله ﷺ".
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من روايات الباب]-
١ - من الرواية الأولى فضيلة لعائشة ﵂.
٢ - واستدل به البخاري على جواز النظر إلى المرأة قبل التزويج قال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه قال الحافظ ابن حجر: كأنه حمله على ذلك أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن عصمتهم في المنام كاليقظة.
قال ابن منير: واستدلال البخاري بهذا الحديث على ما استدل به فيه نظر لأن عائشة كانت إذ ذاك في سنة الطفولية، فلا عورة فيها البتة ولكن يستأنس به في الجملة على أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد.
قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقال الأوزاعي: يجتهد، وينظر إلى ما يريد منها، إلا العورة، وقال ابن حزم: ينظر إلى ما أقبل وما أدبر منها، وعن أحمد في رواية عنه: ينظر إلى ما يظهر غالبا وفي رواية عنه: ينظر إليها متجردة وقال الجمهور أيضا: يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها وعن مالك في رواية: يشترط
[ ٩ / ٣٨٧ ]
إذنها، ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال، لأنها حينئذ أجنبية ورد عليهم بالأحاديث الصحيحة.
٣ - واستدل البخاري بالرواية الثانية على غيرة النساء ووجدهن.
٤ - ومن قوله "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى إلخ" استقراء الرجل حال المرأة من فعلها وقولها، فيما يتعلق بالميل إليه، وعدمه.
٥ - والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك، لأنه ﷺ جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه وسكوتها، فبني على تغير الحالتين من الذكر والسكوت تغير الحالتين من الرضا والغضب.
٦ - وفي جواب عائشة ما يشهد لها بالأدب والذكاء والرقة وحسن العشرة قال الطيبي: الحصر في قولها "ما أهجر إلا اسمك" حصر لطيف جدا، لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة فهو كما قيل:
إني لأمنحك الصدود وإنني
قسما إليك مع الصدود لأميل
وقال ابن المنير: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة، مودة ومحبة.
وقال الحافظ ابن حجر: وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم ﵊، دون غيره من الأنبياء دلالة على فريد فطنتها، لأن النبي ﷺ أولى الناس به، كما نص عليه القرآن، فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة.
٧ - قال المهلب: يستدل بقول عائشة على أن الاسم غير المسمى إذ لو كان الاسم عين المسمى لكانت بهجره تهجر ذاته وليس كذلك اهـ. وقال النووي: هذا في حق المخلوقين وأما في حق الله تعالى فالاسم هو المسمى اهـ وفي هذا بحث طويل يطلب من محله.
٨ - مغاضبة الزوجة لزوجها معفو عنها، وإن كانت ذات قدر كبير قال القاضي: مغاضبة عائشة للنبي ﷺ هي مما سبق من الغيرة التي عفي عنها للنساء في كثير من الأحكام لعدم انفكاكهن منها، حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة قال القاضي: ولولا ذلك لكان على عائشة في ذلك من الحرج ما فيه، لأن الغضب على النبي ﷺ وهجره كبيرة عظيمة.
٩ - ومن الرواية الثالثة جواز اللعب بالبنات قال القاضي: وهو مخصص من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن قال: وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن روي عن مالك كراهة شرائهن وهذا محمول على كراهة الاكتساب بها، وتنزيه ذوي المروءات عن تولي بيع ذلك لا كراهة اللعب قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهي عن الصور.
[ ٩ / ٣٨٨ ]
١٠ - من قولها: "وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ" حياء نساء الأنصار حتى الصغيرات منهن وهيبتهن رسول الله ﷺ.
١١ - ومن قولها "فكان رسول الله ﷺ يسربهن إلي" لطفه ﷺ وحسن خلقه ومعاشرته.
١٢ - واستدل به البخاري على استحباب الانبساط إلى الناس.
١٣ - ومن الرواية الخامسة من قولها "يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة" إلخ قال النووي: كان ﷺ يسوي بينهن في الأفعال والمبيت ونحوه أما محبة القلب فكان يحب عائشة أكثر منهن وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها ولا يلزمه التسوية فيها لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله ﷾ وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال.
قال: وقد اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء في أنه ﷺ هل كان يلزمه القسم بينهن في الدوام والمساواة في ذلك؟
قال الحافظ ابن حجر: في هذا الحديث أنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتحف وإنما اللازم العدل في المبيت والنفقة ونحو ذلك من الأمور اللازمة كذا قرره ابن بطال عن المهلب وتعقبه ابن المنير بأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك وإنما فعله الذين أهدوا له وهم باختيارهم لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرض الرجل إلى الناس بمثل ذلك لما فيه من التعرض لطلب الهدية وأيضا فالذي يهدي لأجل عائشة كأنه ملك الهدية بشرط والتمليك يتبع فيه تحجير المالك مع أن الذي يظهر أنه ﷺ كان يشركهن في ذلك وإنما وقعت المنافسة لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة.
١٤ - وفيه قصد الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها ليزيد ذلك في سرور المهدى إليه.
١٥ - وفيه تنافس الضرائر وتغيرهن على الرجل.
١٦ - وأن الرجل يسعه السكوت إذ تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض.
١٧ - وفيه جواز التشكي والتوسل في ذلك.
١٨ - وما كان عليه أزواج النبي ﷺ من مهابته والحياء منه، حتى راسلنه بأعز الناس عنده فاطمة ﵂.
١٩ - وفيه سرعة فهمهن ورجوعهن إلى الحق والوقوف عنده.
٢٠ - وفيه إدلال زينب بنت جحش على النبي ﷺ لكونها ابنة عمته.
٢١ - وفيه عذر النبي ﷺ لزينب فقد سكت عن طلبها العدل مع أنه أعدل الناس ولم يؤاخذها وتناولت عائشة طويلا وهو ساكت وقالت عنها عائشة: "وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ".
[ ٩ / ٣٨٩ ]
٢٢ - وفيه منقبة عظيمة لزينب بنت جحش.
٢٣ - وفيه حرص عائشة على الحق والتصريح به والثناء على صاحبته وإن كانت ضرة.
٢٤ - وفي قولها "وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه " جواز العمل بما يفهم من القرائن.
٢٥ - وفيه انتصار الظالم.
٢٦ - وفيه منقبة وفضيلة لعائشة.
٢٧ - ومن الرواية السادسة أن القسم يسقط بإذن الأزواج فكأنهن وهبن أيامهن.
٢٨ - افتخار عائشة بأن النبي ﷺ مات في يومها وفي بيتها وعلى صدرها وفي رواية البخاري "وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر لحظة من حياته".
٢٩ - ومن الرواية التاسعة تخيير الرسل بين الموت والحياة قبل موتهم.
٣٠ - من قوله في آخر كلامه "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" يستفاد الرخصة لغيره في أنه لا يشترط أن يكون ذكر الشهادتين باللسان لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامرا بالذكر قاله السهيلي.
٣١ - ومن الرواية العاشرة صحة الإقراع في القسم بين الأزواج وفي الأموال وفي العتق ونحو ذلك مما هو مقرر في كتب الفقه مما في معنى هذا قال النووي: وبإثبات القرعة في هذه الأشياء قاله الشافعي وجماهير العلماء.
٣٢ - وفيه أن من أراد سفرا ببعض نسائه أقرع بينهن كذلك قال النووي: وهذا الإقراع عندنا واجب في حق غير النبي ﷺ وأما النبي ﷺ ففي وجوب القسم في حقه خلاف فمن قال بوجوب القسم جعل إقراعه واجبا ومن لم يوجبه يقول: إقراعه ﷺ من حسن عشرته ومكارم أخلاقه.
٣٣ - قال المهلب في قول حفصة لعائشة: ألا تركبين بعيري وأركب بعيرك"؟ وموافقة عائشة دليل على أن القسم لم يكن واجبا عليه ﷺ فلهذا تحيلت حفصة على عائشة بما فعلت ولو كان واجبا لحرم ذلك على حفصة. اهـ. قال النووي: وهذا الذي ادعاه ليس بلازم، فإن القائل بأن القسم واجب عليه لا يمنع حديث الأخرى في غير وقت عماد القسم قال: قال أصحابنا: يجوز أن يدخل في غير وقت عماد القسم إلى غير صاحبة النوبة فيأخذ المتاع أو يضعه أو نحو ذلك من الحاجات وله أن يقبلها ويلمسها من غير إطالة وعماد القسم في حق المسافر هو وقت النزول فحالة السير ليست منه سواء كان ليلا أو نهارا.
٣٤ - ومن الرواية الحادية عشرة فضيلة لعائشة وقد تقدم ما قيل في التفاضل بين الأزواج.
٣٥ - ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة فضيلة ظاهرة لعائشة ﵂.
٣٦ - واستحباب بعث السلام.
[ ٩ / ٣٩٠ ]
٣٧ - وأنه يجب على الرسول به أن يبلغه.
٣٨ - وفيه بعث الأجنبي السلام إلى الأجنبية الصالحة إذا لم يخف ترتب مفسدة قاله النووي.
٣٩ - وأن الذي يبلغه السلام يرد عليه قال النووي: قال أصحابنا: وهذا الرد واجب على الفور وكذا لو بلغه سلام في ورقة من غائب لزمه أن يرد السلام عليه باللفظ على الفور إذا قرأه.
٤٠ - وفيه أنه يستحب في الرد أن يقول: وعليك أو وعليكم السلام بالواو فلو قال: عليكم السلام أو عليكم أجزأه على الصحيح وكان تاركا للأفضل وقال بعض الشافعية: لا يجزيه. والله أعلم.
[ ٩ / ٣٩١ ]