٥٤٩٥ - عن أنس ﵁ قال: انطلق رسول الله ﷺ إلى أم أيمن. فانطلقت معه فناولته إناء فيه شراب قال: فلا أدري أصادفته صائما أو لم يرده فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه.
٥٤٩٦ - عن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها.
-[المعنى العام]-
أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته قالوا: كان النبي ﷺ ورثها عن أمه فأعتقها حين تزوج خديجة، وقالوا: كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعد ما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر، وتزوجها عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج قبل الإسلام فولدت له "أيمن" أسلم وصحب النبي ﷺ واستشهد في خيبر ولما تبنى الرسول ﷺ زيد بن حارثة وزوجه أم أيمن ولدت له أسامة وكان النبي ﷺ يزورها وكانت تدل عليه وترفع صوتها كما تفعل الأم وكان يعاملها معاملة الأم وقد روى البخاري وأحمد أن الرجل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى فتحت عليه قريظة والنضير فجعل يرد بعد ذلك، فسأله أحدهم أن يرد عليه بعض الذي أخذه وكان أعطاه لأم أيمن - فأعطاه له فجاءت أم أيمن فجعلت تلوح بالثوب وتقول: كلا والله لا يعطيكهن وقد أعطانيهن فقال النبي ﷺ: لك كذا وكذا وتقول: كلا حتى أعطاها عشرة أمثاله.
وحفظ الصحابة مودتها كما حفظها رسول الله ﷺ فكان أبو بكر وعمر يزورانها بعد وفاته ﷺ وتوفيت في خلافة عثمان - ﵂ وأرضاها.
[ ٩ / ٤٢٥ ]
-[المباحث العربية]-
(انطلق رسول الله ﷺ إلى أم أيمن فانطلقت معه) الظاهر أن هذا الانطلاق كان لمجرد زيارتها فقد كان ﷺ يزورها كثيرا كما هو صريح الرواية الثانية وكان خادمه أنس يصحبه في أغلب الزيارات.
(فناولته إناء فيه شراب) أي فلم يأخذه ولم يشرب منه وكان قصدها إكرامه وتحيته وفي بعض الروايات "فقربت إليه لبنا".
(فلا أدري أصادفته صائما؟ أو لم يرده) أي لا يدري أنس سر إحجامه ﷺ عن الشرب لأنه ﷺ لم يبن عنه لأم أيمن ولم يكن يعلم أنس حاله إذ كان ﷺ كثير الصوم دون أن يخبر عن صومه والغالب أنه كان صائما ومن المستبعد أن يعاف شرابها فهي حاضنته ومربيته.
(فجعلت تصخب عليه) أي تصيح وترفع صوتها عليه تنكر عليه رفض الشراب وتلح عليه أن يشرب.
(وتذمر عليه) بفتح التاء والذال وتشديد الميم وأصله تتذمر حذفت إحدى التاءين تخفيفا والتذمر الكلام بغضب يقال: ذمر يذمر كقتل يقتل إذا غضب وإذا تكلم بالغضب، وكان هذا منها دلالا عليه ﷺ وكان يتقبل مثل هذا منها وفاء بحقها وكان يقول "أم أيمن أمي بعد أمي".
(قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها) هذا من قبيل الوفاء للميت، وإكرامه، فتكريم من كان يكرمه من باب الإحسان إليه.
(فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله ﷺ) القائل واحد منهما وأسند القول إليهما لموافقة الثاني ورضاه وقد ظنا أن بكاءها أسفا على موت الرسول ﷺ وحزنا على فراقه فصبراها بما قالا.
(ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء) الكلام معطوف على محذوف والتقدير: لا أبكي أسفا وحزنا على فراقه ﷺ فأنا أعلم أنه فارقنا إلى ما هو خير له ولكن أبكي انقطاع الوحي من السماء إلى الأرض وكان في نزوله الرحمة ووصلنا بالسماء.
[ ٩ / ٤٢٦ ]
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - فضيلة لأم أيمن وتقدير الرسول ﷺ لها ومن بعده تقدير الصاحبين لها.
٢ - قال النووي: فيه أن للضيف الامتناع من الطعام والشراب الذي يحضره المضيف إذا كان له عذر من صوم أو غيره مما هو مقرر في كتب الفقه.
٣ - وفيه زيارة الصالحين وفضلها.
٤ - وزيارة الصالح لمن هو دونه.
٥ - وزيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره.
٦ - وزيارة المسلم لأهل ود صديقه.
٧ - وزيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة.
٨ - وسماع كلامها.
٩ - واستصحاب العالم والكبير صاحبا له في الزيارة والعيادة ونحوها.
١٠ - والبكاء حزنا على فراق الصالحين والأصحاب وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه
كذا قال النووي: وقد أنكرت في جوابها أن يكون البكاء للفراق وأفادت أن البكاء لفقد الخير الذي حصل بالحياة وانقطع بالموت.
١١ - وفي الرواية الأولى إدلال المحب وصاحب الحق.
١٢ - وتقبله ﷺ لما يصاحب ذلك من إساءة وعفوه وسماحته.
والله أعلم.
[ ٩ / ٤٢٧ ]