٥٥١٥ - عن أنس ﵁ قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ، أربعة كلهم من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد قال قتادة: قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.
٥٥١٦ - عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: أربعة. كلهم من الأنصار أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ورجل من الأنصار يكنى أبا زيد.
٥٥١٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأبي: "إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك" قال: آلله سماني لك؟ قال: "الله سماك" لي قال: فجعل أبي يبكي.
٥٥١٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ قال: وسماني؟ قال: "نعم" قال: فبكى.
-[المعنى العام]-
أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي شهد العقبة الثانية وبايع النبي ﷺ فيها ثم شهد بدرا وروي أن رسول الله ﷺ قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
كان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله ﷺ قبل زيد بن ثابت وكتب لرسول الله ﷺ مع زيد بن ثابت وكان زيد ألزم الصحابة لكتاب الوحي وكان يكتب كثيرا من رسائله ﷺ قال الواقدي: أول من كتب لرسول الله ﷺ أول قدومه المدينة أبي بن كعب وكان إذا لم يحضر دعا رسول
[ ٩ / ٤٤١ ]
الله ﷺ زيد بن ثابت فكتب، وكان أبي وزيد يكتبان الوحي بين يديه ﷺ ويكتبان كتبه إلى الناس، وما يقع، وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد، ورجع إلى مكة، وكان الكاتب لعهوده ﷺ إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب ﵁ وممن كتب لرسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص وحنظلة الأسيدي والعلاء ابن الحضرمي، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وجهيم بن الصلت ومعيقيب بن أبي فاطمة وشرحبيل بن حسنة.
ومات أبي بن كعب في أواخر حياة عمر سنة ثنتين وعشرين على المشهور روى أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا وابن حبان وصححه الطبراني أن رجلا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: "كفارات" فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ قال: "وإن شوكة فما فوقها" فدعا أبي بن كعب أن لا يفارقه الوعك حتى يموت وأن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مس إنسان جسده إلا وجد حره حتى مات" ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة) أي جمعه حفظا في الصدور قال المازري: ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه فقد يكون مراده: الذين علمهم من الأنصار أربعة وأما غيرهم من المهاجرين والأنصار الذين لا يعلمهم، فلم ينفهم، ولو نفاهم كان المراد نفي علمه ومع هذا فقد روى غير مسلم حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي ﷺ وذكر منهم المازري خمسة عشر صحابيا وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن وكانت اليمامة قريبا من وفاة النبي ﷺ فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها، ومن لم يحضرها وبقي بالمدينة أو بمكة أو غيرها؟ ولم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما دون ذلك من الطاعات وكيف نظن هذا بهم ونحن نرى في أهل عصرنا حفظة منهم في كل بلدة ألوف مع بعد رغبتهم في الخير عن درجة الصحابة مع أن الصحابة لم يكن لهم أحكام مقررة يعتمدونها في سفرهم وحضرهم إلا القرآن وما سمعوه من النبي ﷺ فكيف نظن بهم إهمالا؟ فكل هذا وشبهه يدل على أنه لا يصح أن يكون معنى الحديث أنه لم يكن في نفس الأمر أحد يجمع القرآن إلا الأربعة المذكورون.
هذا جواب عن شبهة بعض الملاحدة في عدم تواتر القرآن. قال: الجواب الثاني أنه لو ثبت أنه لم يجمعه إلا الأربعة لم يقدح في تواتره فإن أجزاءه حفظت، حفظ كل جزء منها خلائق لا يحصون
[ ٩ / ٤٤٢ ]
يحصل التواتر ببعضهم وليس من شرط التواتر أن ينقل جميعهم جميعه، بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر صارت الجملة متواترة بلا شك ولم يخالف في هذا مسلم ولا ملحد. اهـ.
(معاذ بن جبل) سبقت نبذة عنه في الحديث السابق.
(وأبي بن كعب) ذكرنا نبذة عنه في المعنى العام.
(وزيد بن ثابت) بن الضحاك، الأنصاري الخزرجي استصغر يوم بدر ويقال: إنه شهد أحدا ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان معه راية بني النجار يوم تبوك كتب الوحي للنبي ﷺ وكان من علماء الصحابة وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر وكان أحد أصحاب الفتوى والفرائض والقراءة بالمدينة واستخلفه عمر على المدينة ثلاث مرات في حجتين وفي خروجه إلى الشام وكان عثمان يستخلفه أيضا على المدينة إذا حج مات سنة اثنتين وأربعين بالمدينة على المشهور وصلى عليه مروان.
(وأبو زيد) قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي قال النووي: أبو زيد هذا هو سعد بن عبيد بن النعمان الأوسي، بدري يعرف بسعد القارئ، استشهد بالقادسية سنة خمس عشرة، في أول خلافة عمر بن الخطاب ﵁، قال ابن عبد البر: هذا هو قول أهل الكوفة وخالفهم غيرهم فقالوا: هو قيس بن السكن الخزرجي من بني عدي بن النجار بدري وقال موسى بن عقبة: استشهد يوم جيش أبي عبيد بالعراق سنة خمس عشرة. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: قال ابن نمير في تاريخه: مات سعد بن عبيد القارئ بالقادسية شهيدا، وهو أبو زيد الذي جمع القرآن روي أنه كان يؤم في مسجد قباء في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر.
(إن الله أمرني أن أقرأ عليك) في الرواية الرابعة "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ قال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة والمعاد وبيان الجنة والنار مع وجازتها. اهـ.
وقال أبو عبيد: المراد بالعرض على أبي أن يتعلم أبي منه ﷺ القراءة، ويتثبت فيها وليكون عرض القرآن سنة وللتنبيه على فضيلة أبي بن كعب وتقدمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يستذكر منه النبي ﷺ شيئا بذلك العرض. اهـ.
وفي رواية أن النبي ﷺ دعا أبيا فقال: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك" وفي رواية "لما نزلت ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ إلى آخرها، قال جبريل للنبي ﷺ: إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا، فقال النبي ﷺ لأبي: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة".
(قال: آلله سماني لك؟ قال: الله سماك لي) في الرواية الرابعة "قال: وسماني؟ قال:
[ ٩ / ٤٤٣ ]
نعم". والكلام على الاستفهام التعجبي، والواو في "وسماني"؟ عاطفة على جملة محذوفة، أي أمرك أن تقرأ علي؟ وسماني باسمي؟ أي هل نص علي باسمي؟ أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك؟ فاخترتني أنت؟ وعند الطبراني "قال: نعم. باسمك ونسبك في الملأ الأعلى" قال القرطبي: تعجب أبي من ذلك. لأن في تسمية الله له، ونصه عليه، ليقرأ عليه النبي ﷺ تشريف عظيم.
(فجعل أبي يبكي) أي أخذ يبكي واستمر في البكاء، سرورا، واستصغارا لنفسه عن تأهيله لهذه النعمة وإعطائه هذه المنزلة قال النووي: والنعمة فيها من وجهين. أحدهما كونه منصوصا عليه بعينه، والثاني قراءة النبي ﷺ فإنها منقبة عظيمة له، لم يشاركه فيها أحد من الناس، وقيل: إنما بكى خوفا من تقصيره في شكر هذه النعمة.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - فضيلة ظاهرة لأبي بن كعب ﵁.
٢ - مشروعية التواضع في أخذ الإنسان العلم من أهله.
٣ - تعلق به بعض الملاحدة، ليقول: إن القرآن غير متواتر، إذ لم يجمعه من الصحابة في عهد النبي ﷺ إلا أربعة، وهم دون عدد التواتر، وقد أجبنا على هذه الشبهة في المباحث العربية.
٤ - استحباب عرض القرآن على حفاظه البارعين فيه، المجيدين لأدائه.
٥ - وفيه حث للصحابة على الأخذ من أبي ﵁، قال النووي: وكان كذلك فكان بعد النبي ﷺ رأسا وإماما مقصودا في ذلك، مشهورا به.
والله أعلم.
[ ٩ / ٤٤٤ ]