٥٥٣٦ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت. ولا رآني إلا ضحك.
٥٥٣٧ - عن جرير ﵁ قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي زاد ابن نمير في حديثه عن ابن إدريس: ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل. فضرب بيده في صدري وقال: "اللهم ثبته. واجعله هاديا مهديا".
٥٥٣٨ - عن جرير ﵁ قال: كان في الجاهلية بيت يقال له ذو الخلصة. وكان يقال له الكعبة اليمانية والكعبة الشامية فقال رسول الله ﷺ: "هل أنت مريحي من ذي الخلصة والكعبة اليمانية والشامية؟ " فنفرت إليه في مائة وخمسين من أحمس. فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده. فأتيته فأخبرته قال: فدعا لنا ولأحمس.
٥٥٣٩ - عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا جرير! ألا تريحني من ذي الخلصة" بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية قال: فنفرت في خمسين ومائة فارس وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضرب يده في صدري فقال: "اللهم! ثبته واجعله هاديا مهديا" قال: فانطلق فحرقها بالنار ثم بعث جرير إلى رسول الله ﷺ رجلا يبشره، يكنى أبا أرطاة، منا فأتى رسول الله ﷺ فقال له: ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب. فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها، خمس مرات.
٥٥٤٠ - وفي رواية عن إسماعيل بهذا الإسناد. وقال في حديث مروان: فجاء بشير جرير، أبو أرطاة، حصين ابن ربيعة يبشر النبي ﷺ.
[ ٩ / ٤٧٢ ]
-[المعنى العام]-
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي، نسبة إلى بجيلة أم قبيلته وكان سيد قومه، أسلم في عام الوفود وقيل: أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بأربعين يوما كان طويلا طولا مفرطا وكان جميل الخلقة، حتى قال عنه عمر: جرير يوسف هذه الأمة كان رسول الله ﷺ يهش لقدومه، ويبتسم في وجهه، ويكرمه، وكان يقول فيه: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه". روى الإمام أحمد وابن حبان عن جرير قال: "لما دنوت من المدينة أنخت ثم لبست حلتي فدخلت فرماني الناس بالحدق، فقلت: هل ذكرني رسول الله ﷺ؟ قالوا: نعم. ذكرك بأحسن ذكر فقال: يدخل عليكم رجل من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك" وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيله .. وكان له أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة وأرسله علي - ﵄ - إلى معاوية رسولا فحبسه معاوية مدة طويلة ثم رده بورقة مختومة غير مكتوب فيها شيء وبعث معه من يخبر عليا بمنابذة معاوية، ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسيا، حتى مات سنة إحدى وخمسين وقد بعثه رسول الله ﷺ إلى ذي الخلصة، فهدمها بجيشه، كما جاء في الحديث.
كان حكيما في إشارته، مهذبا في قوله، روي أن عمر ﵁ وجد في مجلسه رائحة من بعض جلسائه، فقال: عزمت على صاحب هذه الرائحة إلا قام فتوضأ، فقال جرير بن عبد الله: علينا كلنا يا أمير المؤمنين فاعزم. قال: عليكم كلكم عزمت ثم قال: يا جرير: ما زلت سيدا في الجاهلية والإسلام.
﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت) أي ما منعني من الدخول عليه في بيته في وقت من الأوقات إذا استأذنت عليه وقيل: إن معنى "ما حجبني" أي ما منعني طلبي وفيه بعد.
وقوله "منذ أسلمت" أي إلى أن توفي ﷺ، وكان إسلام جرير سنة تسع من الهجرة على الصحيح.
(ولا رآني إلا ضحك) في الرواية الثانية "ولا رآني إلا تبسم في وجهي" وكان ﷺ يفعل ذلك مع جرير تكريما له ولطفا به، وبشاشة له.
(ولقد شكوت له أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري وقال: اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا) في الرواية الرابعة "وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضرب يده في صدري فقال: اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا" وعند البخاري "وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب على صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري" وعند الحاكم "فشكا جرير
[ ٩ / ٤٧٣ ]
إلى رسول الله ﷺ القلع" بفتح القاف واللام، وهو عدم الثبوت على السرج، وقيل: بكسر أوله، قال الجوهري: رجل قلع القدم بكسر أوله، إذا كانت قدمه لا تثبت عند الحرب، وفلان قلعة بكسر القاف وفتح اللام، إذا كان يتقلع عن سرجه والمعنى أنه لخفته يرتفع عن السرج كلما ارتفع الحصان ويهبط بهبوطه "فقال: ادن مني فدنا منه فوضع يده على رأسه، ثم أرسلها على وجهه وصدره حتى بلغ عانته ثم وضع يده على رأسه" مرة ثانية "وأرسلها إلى ظهره، حتى انتهت إلى إليته". ولا تعارض فإن اليد ضربت الصدر عند مرورها به كما جاء في حديث الحاكم أنه قال في حالة إمراره يده عليه في المرتين: "اللهم اجعله هاديا مهديا، وبارك فيه، وفي ذريته" زاد في رواية البخاري "فما وقعت عن فرس بعد" قال الحافظ ابن حجر: قوله: "واجعله هاديا مهديا" فيه تقديم وتأخير لأنه لا يكون هاديا حتى يكون مهديا، وقيل: معناه كاملا مكملا. اهـ. يعني أن المطلوب الأول للمسلم أن يكمل نفسه ثم بعد ذلك يكمل غيره، ويمكن حمل "هاديا" على معنى داعيا نفسه وغيره للهدى، و"مهديا" أي مستجيبا للدعوة بالفعل.
(كان في الجاهلية بيت يقال له: ذو الخلصة) والخلصة في الأصل نبات له حب أحمر كخرز العقيق قال النووي: بفتح الخاء واللام هذا هو المشهور وحكى القاضي أيضا بضم الخاء مع فتح اللام وحكى أيضا فتح الخاء وسكون اللام، وهو بيت في اليمن كان فيه أصنام يعبدونها. اهـ. ومن المعلوم أن الكعبة كانت مظهرا من مظاهر عزة العرب بصفة عامة ورفعة قريش بصفة خاصة وكانت القبائل تحاول أن تتخذ لنفسها بيوتا، تصنع فيها أصناما يعبدونها، لمنافسة قريش في كعبتها، فكان ذو الخلصة أكبر بيت ينافس الكعبة وكان بيتا لقبيلة خثعم كما جاء في الرواية الرابعة ولقبيلة بجيلة كما جاء في رواية البخاري.
(وكان يقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية) قال النووي: وفي بعض النسخ "الكعبة اليمانية الكعبة الشامية" بغير واو، وهذا اللفظ فيه إيهام والمراد أن ذا الخلصة كانوا يسمونها الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تسمى الكعبة الشامية ففرقوا بينهما للتمييز. هذا هو المراد فيتأول اللفظ عليه وتقديره: يقال له: الكعبة اليمانية ويقال للتي بمكة: الشامية.
أما من رواه "الكعبة اليمانية الكعبة الشامية" بحذف الواو فمعناه كأن يقال: هذان اللفظان، أحدهما لموضع والآخر لموضع آخر.
قال: وأما قوله "هل أنت مريحي من ذي الخلصة، والكعبة اليمانية والشامية" فقال القاضي عياض: ذكر "الشامية" وهم وغلط من بعض الرواة والصواب حذفه وقد ذكره البخاري بهذا الإسناد وليس فيه هذه الزيادة والوهم هذا كلام القاضي وليس بجيد بل يمكن تأويل هذا اللفظ ويكون التقدير: هل أنت مريحي من قولهم: الكعبة اليمانية والشامية؟ ووجود هذا الموضع الذي يلزم منه هذه التسمية؟ اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب وأنها كان يقال لها: اليمانية باعتبار كونها باليمن، والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام وقال بعضهم:
[ ٩ / ٤٧٤ ]
قوله: "والكعبة الشامية" مبتدأ، محذوف الخبر تقديره: هي التي بمكة وقيل: الكعبة مبتدأ، والشامية خبره والجملة حال والمعنى: والكعبة هي الشامية لا غير وحكى السهيلي عن بعض النحويين أن كلمة "له" زائدة وأن الصواب كان يقال: "الكعبة الشامية" أي لهذا البيت الجديد، و"الكعبة اليمانية" أي للبيت العتيق - أو بالعكس قال السهيلي: وليست فيه زيادة وإنما اللام بمعنى من أجل، أي كان يقال من أجله: الكعبة الشامية والكعبة اليمانية أي إحدى الصفتين للعتيق والأخرى للجديد.
(هل أنت مريحي من ذي الخلصة؟) وفي الرواية الرابعة "يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة" بتخفيف اللام طلب يتضمن الأمر برفق وخص جريرا بذلك لأنها كانت في بلاد قومه وكان هو من أشرافهم والمراد من الراحة راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب رسول الله ﷺ من بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى وروى الحاكم في الإكليل، من حديث البراء بن عازب قال: "قدم على النبي ﷺ مائة رجل من بني بجيلة وبني قشير وفيهم جرير بن عبد الله فسأله عن بني خثعم فأخبره أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثمائة من الأنصار، وأن يسير إلى خثعم فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم، وهدم صنمهم ذا الخلصة وإلا وضع فيهم السيف.
(فنفرت إليه في مائة وخمسين من أحمس) الضمير في "إليه" يعود على ذي الخلصة البيت الذي فيه الأصنام والنفر الخروج للقتال مع السرعة وفي رواية البخاري "فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس - بفتح الهمزة وسكون الحاء وفتح الميم - وكانوا أصحاب خيل" وفي رواية ضعيفة للطبراني أنهم كانوا سبعمائة وفي كتاب الصحابة لابن السكن أن قيس بن غربة الأحمسي وفد في خمسمائة وقدم جرير في قومه وقدم الحجاج بن ذي الأعين في مائتين وضم رسول الله ﷺ إليهم ثلاثمائة من الأنصار وغيرهم فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير من قبيلة واحدة.
(فكسرناه، وقتلنا من وجدناه عنده) الضمير المذكر للبيت، والضمير المؤنث في قوله في الرواية الرابعة "فانطلق فحرقها بالنار" للكعبة، وعند البخاري "فانطلق إليها فكسرها وحرقها" أي بناءها، ورمى النار فيما فيها من الخشب.
(فأتيته فأخبرته) ظاهر هذه الرواية أن الذي بشر النبي ﷺ بنتيجة الغزوة هو جرير ولكن الرواية الرابعة أن الذي أخبر النبي ﷺ بذلك رسول أرسله جرير من قبيلته، فكأن نسبة الإخبار لجرير مجازية، وفي الرواية الرابعة. قال رسول جرير للنبي ﷺ: "ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب" كناية عن نزع زينتها وإذهاب بهجتها وقال الخطابي: المراد أنها صارت مثل الجمل المطلي بالقطران من جربه إشارة إلى أنها صارت سوداء لما وقع فيها من التحريق وفي رواية "أجوف" بدل "أجرب" أي صارت صورة بغير معنى والأجوف الخالي الجوف مع كبره في الظاهر وأنكره عياض، وقال: هو تصحيف وإفساد للمعنى.
[ ٩ / ٤٧٥ ]
(فدعا لنا ولأحمس) "أحمس" على وزن أحمر وهم إخوة بجيلة بفتح الباء وكسر الجيم رهط جرير وفي الرواية الرابعة "فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات" أي دعا لهم بالبركة وفي رواية "فدعا لأحمس بالبركة" وقد قيل في حكمة الخمس أنها مبالغة مع الاحتفاظ بالوتر وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون دعا للخيل والرجال أو لهما معا ثم أراد التأكيد في تكرير الدعاء ثلاثا، فدعا للرجال مرتين أخريين وللخيل مرتين أخريين ليكمل لكل من الصنفين ثلاثا فكان مجموع ذلك خمس مرات.
(يكنى أبا أرطاة) في ملحق الرواية "أبو أرطاة حصين بن ربيعة" "أرطاة" بفتح الهمزة وسكون الراء وقلبه بعضهم فقال: ربيعة بن حصين ومنهم من سماه أرطاة والصواب أبو أرطاة ومنهم من سماه حصن بكسر الحاء وسكون الصاد وعند بعض الرواة "حسين" بدل "حصين" وهو تصحيف.
(إضافة) زاد البخاري في رواية: قال "ولما قدم جرير اليمن، كان بها رجل يستقسم بالأزلام فقيل له: إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك قال: فبينما هو يضربها - أي بالأزلام - إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها - أي الأزلام - ولتشهدن أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك فكسرها وشهد ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي ﷺ يبشره بذلك".
قال الحافظ ابن حجر: هذا يشعر باتحاد قصة غزوة ذي الخلصة بقصة ذهابه إلى اليمن، وكأنه لما فرغ من أمر ذي الخلصة، وأرسل رسوله مبشرا، استمر ذاهبا إلى اليمن.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث:]-
١ - فيه مناقب عظيمة لجرير وقومه، ونصرهم للإسلام، ومحاربتهم القوم الذين هم منهم
٢ - وبركة يد رسول الله ﷺ ودعائه.
٣ - وأنه كان يدعو وترا، وقد يجاوز الثلاث، فيكون فيه تخصيص لحديث أنس "كان إذا دعا دعا ثلاثا" فيحمل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك.
٤ - وفيه مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس، من بناء وغيره سواء كان إنسانا أو حيوانا أو جمادا.
٥ - وفيه استمالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم.
٦ - والاستمالة بالدعاء والثناء.
٧ - والبشارة في الفتوح.
[ ٩ / ٤٧٦ ]
٨ - وفضل ركوب الخيل في الحرب.
٩ - وقبول خبر الواحد.
١٠ - والمبالغة في نكاية العدو.
١١ - وفيه استحباب التلطف والتبسم في وجه القادم.
١٢ - استدل بعضهم بقوله: "ما حجبني" على جواز الدخول بدون إذن للخاصة ولا يصح فعدم الذكر ليس دليل العدم.
والله أعلم.
[ ٩ / ٤٧٧ ]