٥٥٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي. فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره. فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم! اهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ. فلما جئت فصرت إلى الباب. فإذا هو مجاف. فسمعت أمي خشف قدمي. فقالت: مكانك: يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء. قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها. ففتحت الباب. ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال: قلت: يا رسول الله! أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا. قال: قلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ: "اللهم! حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين" فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني.
٥٥٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ. والله الموعد. كنت رجلا مسكينا. أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني. وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق. وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم. فقال رسول الله ﷺ: "من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني". فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه. ثم ضممته إلي. فما نسيت شيئا سمعته منه.
٥٥٦٨ - وفي روية عن أبي هريرة ﵁، بهذا الحديث. غير أن مالكا انتهى
[ ٩ / ٥٠٦ ]
حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة. ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي ﷺ: "من يبسط ثوبه" إلى آخره.
٥٥٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتي. يحدث عن النبي ﷺ. يسمعني ذلك. وكنت أسبح. فقام قبل أن أقضي سبحتي. ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم.
٥٥٧٠ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد. ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم. وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني. فأشهد إذا غابوا. وأحفظ إذا نسوا. ولقد قال رسول الله ﷺ يوما: "أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئا سمعه" فبسطت بردة علي. حتى فرغ من حديثه. ثم جمعتها إلى صدري. فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا أبدا: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ [البقرة/ ١٥٩، ١٦٠] إلى آخر الآيتين.
-[المعنى العام]-
أبو هريرة الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ، قال النووي: اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا، وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولا، مذكورة في الكنى للحاكم وفي الاستيعاب وفي تاريخ ابن عساكر. قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره.
كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرا، وسكن الصفة، وصحب النبي ﷺ أربع سنين، وقيل ثلاث سنين، قيل: كان سنه يوم أسلم ثلاثين عاما.
[ ٩ / ٥٠٧ ]
كان يبتدئ حديثه بقوله: قال رسول الله ﷺ الصادق المصدوق أبو القاسم: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال، فمن أين لك؟ قال: خيل نتجت، وأعطية تتابعت، وخراج رفيق لي، فنظر، فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرا منك، قال: إنه يوسف ﵇، نبي الله، وابن نبي الله، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حكم، ويضرب ظهري، ويشتم عرضي، وينزع مالي.
توفي بقصره بالعقيق، سنة ثمان وخمسين فحمل إلى المدينة، بعد أن عاش ثمانيا وسبعين سنة، وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان أميرا يومئذ على المدينة، وكتب الوليد إلى معاوية يخبره بموته، فكتب إليه: انظر من ترك؟ فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، فإنه كان ممن نصر عثمان يوم الدار ﵁ وأرضاه.
-[المباحث العربية]-
(فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة) كان الأصل أن يقول: أمي، ولكنه آثر التجريد، ليطابق المدعو به، فإنه لن يقول: اللهم اهد أمك.
(فلما جئت فصرت إلى الباب) أي فوصلت إلى باب بيتي.
(فإذا هو مجاف) أي مغلق، يقال: أجاف الباب إذا رده، وفي حديث الحج أنه ﷺ دخل البيت، وأجاف الباب.
(فسمعت أمي خشف قدمي) بفتح الخاء وسكون الشين، أي صوت قدمي في الأرض.
(فقالت: مكانك) ظرف لفعل محذوف، أي قف مكانك.
(وسمعت خضخضة الماء) أي صوت تحريكه وصبه.
(ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب) درع المرأة قميصها، وخمارها الثوب الذي تغطي به رأسها، وعجل عن كذا إلى كذا، أي أسرع إلى كذا متجاوزا كذا، والمعنى أنها لبست القميص، وأسرعت إلى الباب تفتحه، تاركة خمارها.
(فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني) هذا في اعتقاد أبي هريرة وعلمه، وما يحسه من الناس، وليس بلازم، فحب جميع المؤمنين غاية لا تدرك.
(إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ) الزعم مطية الكذب،
[ ٩ / ٥٠٨ ]
وتستعمل المادة - غالبا - فيما ليس له أصل. و"يكثر الحديث" أي يكثر ذكر الأحاديث والتحديث والرواية والخطاب في "إنكم" لبعض الصحابة، أي إن بعض الصحابة يقولون ، وفي الرواية الرابعة "يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر" وفي ملحقها "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ" وفي رواية للبخاري "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة".
(والله الموعد) بفتح الميم، وفيه حذف، تقديره: وعند الله الموعد، لأن الموعد إما مصدر، وإما ظرف زمان، أو ظرف مكان، وكل ذلك لا يخبر به عن الله تعالى، ومراده أن الله تعالى يحاسبني إن تعمدت كذبا، ويحاسب من ظن بي ظن السوء.
(كنت رجلا مسكينا، أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني) أي ألازمه من أجل قوتي اليومي، ولا أجمع مالا أدخره، وليس المراد الخدمة بالأجرة، و"ملء" بكسر الميم، أي إن السبب الأولى الذي اقتضى له كثرة الحديث عن رسول الله ﷺ أمران، ملازمته له، ليجد ما يأكله، لأنه لم يكن له شيء يتجر فيه، ولا أرض يزرعها، ولا يعمل فيها، فكان لا ينقطع عنه، خشية أن يفوته القوت، فحصل له بهذه الملازمة كثرة سماعه الأقوال، ورؤيته الأفعال، مما لا يحصل لغيره، ممن لم يلازمه ملازمته، الأمر الثاني ما سيذكره من دعاء النبي ﷺ له، وفي رواية للبخاري "وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون".
(وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم) "يشغلهم" بفتح الياء، وحكي ضمها، والصفق في الأسواق كناية عن التبايع، وكانوا يصفقون بالأيدي من المتبايعين، بعضها على بعض، والسوق مؤنثة، وقد تذكر، سميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم، وفي الرواية الرابعة "ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك. إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق".
(فقال رسول الله ﷺ: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني، فبسطت ثوبي، حتى قضى حديثه، ثم ضممته إلي، فما نسيت شيئا مما سمعته منه) هذا هو السبب الثاني، وفي الرواية الرابعة "ولقد قال رسول الله ﷺ يوما: أيكم يبسط ثوبه، فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئا سمعه، فبسطت بردة علي، حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا، حدثني به".
(أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟) الخطاب من عائشة لابن أختها، عروة بن الزبير، والمعنى: تعجب من أبي هريرة، فعند أبي داود "ألا أعجبك من أبي هريرة".
(جاء، فجلس إلى جنب حجرتي، يحدث عن النبي ﷺ، يسمعني ذلك) أي يسمعني أحاديث ليأخذ موافقتي على صحتها، أو ليسمع مني اعتراضا على بعضها.
[ ٩ / ٥٠٩ ]
(وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي) أي كنت أصلي نافلة الضحى.
(ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم) وكأن عائشة لم توافق أبا هريرة على سرعة تحديثه، ومتابعة الحديث للحديث، والاستعجال في رواية الحديث، وكانت لو لحقته لنصحته أن يروي ما يروي فصلا، فهما، تفهمه القلوب، ولو لحقته لأنكرت عليه الإسراع، وبينت له أن الترتيل في التحديث أولى من السرد، وأن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كما يسرده أبو هريرة.
واعتذر بعضهم عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، من تزاحم المعلومات.
(لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه، ما حدثت شيئا أبدا) وفي رواية البخاري "ما حدثت حديثا" أي لولا أن الله ذم الكاتمين للعلم، ما حدث أصلا، لكن لما كان الكتمان حراما، وجب الإظهار.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - استجابة دعاء الرسول ﷺ على الفور بعين المسئول، بخصوص هداية أم أبي هريرة.
٢ - وهو من أعلام نبوته ﷺ.
٣ - واستحباب حمد الله عند حصول النعم.
٤ - فضيلة أبي هريرة.
٥ - فضيلة حفظ العلم، قالوا: ولم يحدث أبو هريرة بجميع محفوظاته، ومع ذلك فالموجود من حديثه أكثر من الموجود من حديث غيره من المكثرين.
٦ - أخذ من قوله في الرواية الثانية "فما نسيت شيئا سمعته منه" ومن قوله في الرواية الرابعة "فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به" أن أبا هريرة لم ينس شيئا من الأحاديث التي سمعها، وأن عدم النسيان عنده خاص بالحديث، فإن قيل: قد أخرج ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو ابن أمية، قال: تحدثت عند أبي هريرة بحديث، فأنكره، فقلت: إني سمعته منك؟ فقال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي". فهذا يدل على وقوع نسيانه في الحديث، ويحمل عدم النسيان على عدم نسيان تلك المقالة، يستأنس لذلك برواية شعيب "فما نسيت من مقالته تلك من شيء" مما يخص عدم النسيان بتلك المقالة، ويلتحق بهذا حديث أبي سلمة عنه "لا عدوى" فإنه قال فيه: إن أبا هريرة أنكره، قال: "فما رأيته نسي شيئا غيره". قال الحافظ ابن حجر: سند حديث
[ ٩ / ٥١٠ ]
ابن وهب ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فهو نادر، وسياق الكلام في روايتنا يقتضي ترجيح العموم، لأن أبا هريرة نبه بذلك على كثرة محفوظه من الحديث، والوثوق منها، فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها.
٧ - وعدم نسيان أبي هريرة معجزة واضحة، من علامات النبوة، لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة بأنه كان يكثر من النسيان، ثم تخلف عنه ببركة دعاء النبي ﷺ، وفي المستدرك للحاكم، من حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: "كنت أنا وأبو هريرة وآخر، عند النبي ﷺ، فقال: ادعوا، فدعوت أنا وصاحبي، وأمن النبي ﷺ، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علما لا ينسى، فأمن النبي ﷺ، فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله. فقال: سبقكما الغلام الدوسي".
٨ - وفي عمل أبي هريرة فضيلة التقليل من الدنيا، وأنه أمكن لحفظ العلم.
٩ - وفي انشغال المهاجرين والأنصار، وتقريرهم على ذلك فضيلة التكسب لمن له عيال.
١٠ - وفيه جواز تحديث الإنسان بما فيه من فضائل، إذا اضطر إلى ذلك، وأمن من الإعجاب.
١١ - وفي الحديث دلالة على حرصهم على التوثيق بالرواية، لقولهم: "أكثر أبو هريرة".
١٢ - وأن كثيرا من أكابر الصحابة كان يغيب عنه بعض ما يقوله النبي ﷺ أو يفعله من الأعمال التكليفية.
١٣ - وفيه الرد على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبي ﷺ وسننه منقولة .. عنه بالتواتر، وأنه لا يجوز العمل بما لم ينقل متواترا، وقد انعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد.
والله أعلم
[ ٩ / ٥١١ ]