٥٥٧٤ - عن أم مبشر ﵂، أنها سمعت النبي ﷺ يقول، عند حفصة: "لا يدخل النار، إن شاء الله من أصحاب الشجرة، أحد. الذين بايعوا تحتها" قالت بلى. يا رسول الله! فانتهرها. فقالت حفصة ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم/ ٧١] فقال النبي ﷺ: "قد قال الله ﷿ ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ [مريم/ ٧٢]
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ [الفتح: ١٨] هذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة، وقصتها أن النبي ﷺ في سنة ست من الهجرة رأى في المنام أنه والمسلمين يدخلون المسجد الحرام آمنين، محلقين رءوسهم، ومقصرين، لا يخافون، فأخبر أصحابه، واستعدوا للعمرة، وفي مستهل ذي القعدة خرج في ألف وأربعمائة من المسلمين قاصدين العمرة ومعهم الهدي، حتى وصلوا إلى مشارف مكة عند الحديبية، وعندها صدهم المشركون، ومنعوهم من دخول مكة، وبعث رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة، وحمله على جمل له، يقال له: الثعلب، يعلمهم أنه ما جاء لقتال، وأنه إنما جاء معتمرا، ثم يعود، فلما أتاهم وكلمهم عقروا جمله، وأرادوا قتله، ثم خلوا سبيله، حتى أتى رسول الله ﷺ، فدعا عمر ليبعثه، فقال: يا رسول الله، إن القوم قد عرفوا عداوتي لهم، وغلظتي عليهم، وإني لا آمن، وليس بمكة أحد من بني عدي، يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وهم يحبونه، فيبلغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان، فأرسله إلى قريش، وقال له: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره ﷺ أن يبشر رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله تعالى سيظهر دينه بمكة قريبا، فذهب عثمان ﵁ إلى قريش، فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت فطف بالبيت، وأما دخولكم علينا فلا سبيل له، فقال ﵁: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله ﷺ، فاحتبسوه، فبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل، فقال ﵊: "لا نبرح حتى نناجز القوم" ونادى مناديه ﵊: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول
الله ﷺ،
[ ٩ / ٥١٩ ]
فأمره بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وبايعوه على أن لا يفروا، وعلى الموت أو النصر، كانت هذه البيعة تحت شجرة، فأنزل الله تعالى فيها ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: ١٠] ونزل ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ ولما علمت قريش بالبيعة خافوا، وأرسلوا عثمان ﵁. وكان بعد ذلك صلح الحديبية المشهور.
ولما كان الله قد وعد المؤمنين بأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ولما كان هؤلاء المبايعون قد باعوا أنفسهم كانت لهم الجنة، وكان قوله ﷺ "لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد، أي الذين بايعوا تحتها". ﵃ أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد) قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا، كما صرح به في حديث حاطب السابق، وإنما قال: "إن شاء الله" للتبرك، لا للشك.
(قالت حفصة: بلى يا رسول الله) قال أهل اللغة: "بلى" حرف جواب، وتختص بالنفي، وتفيد إبطاله، سواء كان مجردا. نحو ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى﴾ [التغابن: ٧] أو مقرونا بالاستفهام، حقيقيا، أو توبيخا، أو تقديريا.
فمعنى جواب حفصة، ﵂، هنا أن أصحاب الشجرة يدخلون النار، ولو تحله .. القسم، لقوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١].
(فانتهرها) لأن ظاهر جوابها أنها ترد الخبر، فأبانت أنها لا ترد الخبر، فإنهم لا يدخلونها وإن وردوها، فبين ﷺ أن ورودهم ليس دخولا، وإنما هو قرب، ينجي عنده من ينجي، لقوله تعالى ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ [مريم: ٧٢].
-[فقه الحديث]-
١ - فيه منقبة عظيمة لأصحاب شجرة الرضوان.
٢ - وفيه جواز المناظرة والاعتراض على وجه الاسترشاد.
٣ - وفيه أن ورود النار غير دخولها. قال النووي: والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون.
والله أعلم
[ ٩ / ٥٢٠ ]