٥٥٨١ - عن عائذ بن عمرو، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله! ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك". فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي.
-[المعنى العام]-
سلمان الفارسي ﵁، أبو عبد الله، يقال: إنه مولى رسول الله ﷺ، كان ابن ملك من ملوك فارس، وكان من هرمز، وقيل: كان أصله من أصبهان، وكان من صغره يطلب دين الله، ويتبع من يرجو ذلك عنده، فدان بالنصرانية وغيرها، وقرأ الكتب، وصبر في ذلك على مشقات، وخرج من بلاده يطلب الدين الحق ويسأل عنه، انتقل من عابد إلى عابد، حتى وصل المدينة، وأخذ رقيقا، وانتقل من سيد إلى سيد، حتى تداوله بضعة عشر سيدا، واشتراه ﷺ وأعتقه، وكان ولاؤه لأهل بيت النبي ﷺ، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي الدرداء، وكان زاهدا، له عباءة، يفترش بعضها، ويلبس بعضها، وكان يعمل الخوص بيده، فيبيعه، فيعيش منه، ولا يقبل من أحد شيئا، وكان عطاؤه في زمن عمر خمسة آلاف، فكان إذا خرج عطاؤه تصدق به كله، وأكل من عمل يده، عمل الخوص الذي تعلمه عن بعض مواليه بالمدينة، وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، وقيل: إنه شهد بدرا وأحدا، إلا أنه كان عبدا يومئذ وكانوا يشبهونه بلقمان، علما وحكمة، ويعرف بسلمان الخير، وكان إذا قيل له: ابن من أنت؟ قال: أنا سلمان ابن الإسلام من بني آدم، وقال النبي ﷺ: "أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني أنه سبحانه يحبهم، علي، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان". توفي بالمدائن في خلافة عثمان. سنة خمس وثلاثين. ﵁ وأرضاه.
أما بلال بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله ﷺ، كان عبدا، فأسلم، يقال: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، كان المشركون - وعلى رأسهم أمية بن خلف، يخرجونه، إذا حميت الظهيرة، فيطرحونه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمرون بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقولون: لا يزال هذا بك حتى تموت أو تكفر بمحمد، فلا يزيد على قوله: أحد. أحد. وكانوا يعطونه للولدان يطوفون به في شعاب مكة والسلسلة في رقبته،
[ ٩ / ٥٣٨ ]
فاشتراه أبو بكر بسبع أواق، وأعتقه، ثم كان مؤذن رسول الله ﷺ، وخازن بيت المال وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، ولما مات رسول الله ﷺ كان مؤذن أبي بكر وخازن بيت ماله، لكنه استأذنه في أن يخرج للجهاد، وروى لأبي بكر حديث رسول الله ﷺ، وأنه قال له: "يا بلال، ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله"، فقال أبو بكر: بل تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله ﷿، فذرني أذهب إلى الله ﷿، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، وطلبه عمر أن يؤذن له، فاعتذر، فقال له: ما يمنعك أن تؤذن لي؟ قال: إني أذنت لرسول الله ﷺ حتى قبض، وأذنت لأبي بكر لأنه ولي نعمتي، وأريد الجهاد في سبيل الله، فتركه، وبقي في الشام حتى مات بها في طاعون عمواس سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن بحلب.
وأما صهيب بن سنان: من العرب، من النمر بن قاسط، كان أبوه سنان بن مالك عاملا لكسرى على الأيلة، وكانت منازلهم بأرض الموصل، في قرية على شط الفرات، فأغارت الروم على تلك الناحية، فسبت صهيبا، وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، فاشترته منهم قبيلة كلب، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان، فأعتقه، فأقام معه بمكة، حتى هلك عبد الله بن جدعان، وبعث النبي ﷺ، فأسلم هو وعمار في يوم واحد، بعد بضعة وثلاثين رجلا، يروى عن عمار بن ياسر أنه قال: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له، ما تريد؟ فقال لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردت الدخول إلى محمد ﷺ، فأسمع كلامه، قال: فأنا أريد ذلك، قال: فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا، حتى أمسينا، ثم خرجنا مستخفين، ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة لحقه صهيب، فتبعه نفر من قريش: ليردوه فقال: يا معشر قريش إني من أرماكم، ولا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، قالوا: لا تفجعنا بنفسك ومالك. قال: إن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، فرضوا، وتعاهدوا، فدلهم، فرجعوا، فأخذوا ماله، فلما جاء إلى النبي ﷺ، وهو ما زال بقباء، أخبره الخبر، فقال له النبي ﷺ: "ربح البيع أبا يحيى". فأصبح يكنى أبا يحيى، وأنزل الله تعالى في أمره ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ [البقرة: ٢٠٧] وقال ﷺ: "صهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة".
وروي عن صهيب أنه قال: "لم يشهد رسول الله ﷺ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزوة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما جعلت رسول الله ﷺ بيني وبين العدو قط، حتى توفي".
وكان عمر ﵁ يحبه، ويداعبه، ولما مات عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس، حتى يجتمع الناس على إمام بعده، ومات صهيب بالمدينة، ودفن بالبقيع، في شوال سنة ثمان وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة على المشهور.
[ ٩ / ٥٣٩ ]
-[المباحث العربية]-
(أن أبا سفيان) صخر بن حرب.
(أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر) أي مر بهم، وهم جلوس في مجلس، وكان هذا المرور، وهو كافر، فقد زار المدينة، وزار ابنته أم حبيبة زوجة الرسول ﷺ بعد صلح الحديبية، أثناء الهدنة.
(فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها) أسلوب يفيد التحسر على أن سيوف حزب الله لم تقتل هذا الكافر، ولم تنل منه في الحروب السابقة بين المسلمين والمشركين، ويحمل التمني أن تنال هذه السيوف من هذا العدو في المستقبل.
(فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟) الظاهر أن أبا بكر كان جالسا معهم، وإن لم يذكر في الجالسين، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي لا ينبغي أن تقولوا هذا، ووصفه بأوصاف السيادة استنكارا لتمنيهم القتل له، والمؤمن يسأل الله العافية والهداية أولى من أن يسأل للعدو القتل.
(فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم) وزدت في الإنكار على هذا القول. آمل أن لا تكون فعلت ذلك.
(لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) لأنهم لم يقولوا نكرا ولا هجرا، بل هي منهم كلمة حق وصدق، وفيها تحمس للإسلام وعز أهله، وكبت أعدائه وقد دعا رسول الله ﷺ على صناديد قريش.
(فأتاهم أبو بكر) ليتأكد منهم أنه لم يغضبهم، وليستسمحهم إن كانوا قد غضبوا، ولا يلزم من إتيانه إياهم أن يكونوا كما كانوا في مجلسهم، فقد يأتيهم واحدا واحدا، ويسأله، ويجيب، لكن ظاهر سؤاله وجوابهم أنهم كانوا مجتمعين في جلستهم، أو في جلسة أخرى.
(يا إخوتاه) لغة في: يا إخوتي، قال ابن مالك
واجعل منادى صح إن يضف ليا كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
وناداهم بهذا النداء الرقيق استعطافا لهم أن يتسامحوا.
(أغضبتكم؟) بقولي لكم: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ .
(قالوا: لا يغفر الله لك) البلاغة لا تستحسن هذا الأسلوب، لأن صورته صورة نفي الدعاء، حيث لا فاصل بين "لا" وبين الدعاء، وإن كانت "لا" هنا نفي لجملة سابقة، أي لا. لم تغضبنا،
[ ٩ / ٥٤٠ ]
والمستحسن عندهم عدم ذكر "لا" أو ذكر جملتها: لم تغضبنا، أو ذكر واو الاستئناف بينها وبين الدعاء، فيقال: لا، ويغفر الله لك، وتسمى واوات الأصداغ على خدود الملاح، أي هذه الواو في حسنها تشبه ما تعمله الجميلات من لي شعيرات على الخد تشبه الواو لإبراز جمالهن.
(يا أخي) كان المناسب أن يقولوا: يا أخانا، لأنهم جمع، لكن روعي أن كل واحد منهم قال هذا القول على الاستقلال.
قال النووي: "يا أخي" ضبطوه بضم الهمزة على التصغير، وهو تصغير تحبيب وترقيق وملاطفة، وفي بعض النسخ بفتح الهمزة.
-[فقه الحديث]-
١ - في الحديث فضيلة ظاهرة لسلمان وصهيب وبلال ورفقتهم هؤلاء.
٢ - وفيه مراعاة قلوب الضعفاء وأهل الدين، وإكرامهم، وملاطفتهم.
٣ - وفيه رقة قلب أبي بكر، وحرصه على دوام المودة بينه وبين جميع المسلمين.
٤ - وفيه التلطف في النداء، واستخدام لفظ "يا أخي" و"يا إخوتي" تمهيدا للطلب.
٥ - وفيه الصفح والتسامح، والرد بالدعاء بالخير.
وقد أخرج البخاري في مناقب بلال بن رباح قول النبي ﷺ لبلال: "سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة". وكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا - يعني بلالا.
وقد قدمت في المعنى العام من فضائل سلمان وصهيب وبلال ما يغني عن الإعادة.
والله أعلم
[ ٩ / ٥٤١ ]