٥٦٤٨ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط. فاستوصوا بأهلها خيرا. فإن لهم ذمة ورحما. فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها" قال فمر بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل ابن حسنة. يتنازعان في موضع لبنة. فخرج منها.
٥٦٤٩ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنكم ستفتحون مصر. وهي أرض يسمى فيها القيراط. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها. فإن لهم ذمة ورحما" أو قال: "ذمة وصهرا. فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة، فاخرج منها" قال: فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة، يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها.
-[المعنى العام]-
من رحمة الرسول ﷺ بأمة الدعوة، وشفقته عليها، ومن وضعه لأصحابه قواعد معاملة غير المسلمين المنبثقة من الإحسان إلى من أساء، والعفو عمن ظلم، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين.
من هذه السياسة الإسلامية الحكيمة يوصي ﷺ صحابته بأهل مصر، حين يفتحها المسلمون، ويتلمس علاقة ما ترغب في الإحسان، وإن كانت لا تدفع إليه عند كثير من الناس. إن لهم عندنا معشر المسلمين حقا وحرمة، فهم آل هاجر أم إسماعيل وأم العرب، وهم أهل مارية التي تسراها رسول الله ﷺ وهي أم إبراهيم ابنه ﵇، وصدق الله العظيم إذ يقول في نبيه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]
-[المباحث العربية]-
(إنكم ستفتحون أرضا) أي بلدا، وفي الرواية الثانية "إنكم ستفتحون مصر" والخطاب للصحابة، وقد فتحوا مصر في عهد عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٩ / ٥٩٦ ]
(يذكر فيها القيراط) أي يستعمل فيها لفظ القيراط، وهو معيار في الوزن والقياس، واختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو اليوم في الوزن أربع قمحات، وفي وزن الذهب خاصة ثلاث قمحات، وفي القياس جزء من أربعة وعشرين جزءا، ومن الفدان يساوي خمسة وسبعين ومائة متر.
(فاستوصوا بأهلها خيرا) السين والتاء للطلب، أي ليطلب بعضكم من بعض الوصية بهم، أو ليطلب كل منكم من نفسه ومن غيره الوصية بهم، والإحسان إليهم، وفي الرواية الثانية "فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها".
(فإن لهم ذمة ورحما) الجملة تعليلية وفي الرواية الثانية "فإن لهم ذمة ورحما، أو قال: ذمة وصهرا" والذمة بكسر الذال العهد والأمان والكفالة، ومنه قوله ﷺ: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم". ومنه أهل الذمة، أي المعاهدون من أهل الكتاب، ومن جرى مجراهم، والمعاهد هو الذي أعطي عهدا، يأمن به على نفسه وماله وعرضه ودينه، والمعنى عليه فإنهم سيكون لهم ذمة وعهد، والأولى أن يراد بالذمة هنا الحق والحرمة، ويفسر هذا الحق بحق الرحم وصلته، لكون هاجر أم إسماعيل وأم العرب منهم، والمراد بالصهر في الرواية الثانية النسب لكون مارية - أم إبراهيم - منهم، وكانت سرية له ﷺ.
(فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها) في الرواية الثانية "فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها" أي في مصر، والمراد من المقاتلة المخاصمة والتنازع، "في موضع لبنة فاخرج منها" الخطاب والأمر بالخروج من مصر لأبي ذر، وهو مبني على رؤيته هو ومن عساه يرى معه خصومة رجلين في موضع لبنة، وجمعها لبن بفتح اللام وكسر الباء، وهو المضروب من الطين قوالب يبنى بها، دون أن تحرق. والخصومة في مكانها من الأرض، قريبة من ملك هذا، أو من ملك ذاك. وكان هذا في ذلك الوقت من الأمور التافهة التي لا يتقاتل عليها لسعة الأرض وضعف قيمتها. وكأن ذلك علامة على فساد الأحوال، وشيوع الخصومات وخص أبو ذر بذلك الخروج، لأن ذلك من نقيض مبادئه التي تقول إن ما زاد على حاجتك ملك وحق لغيرك.
(قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن، ابني شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة، فخرج منها) القائل "فمر" عبد الرحمن بن شماسة المهري، الراوي عن أبي ذر، ويحتمل أنها من كلام أبي ذر على التجريد، أي جرد من نفسه شخصا آخر يتحدث عنه، وصرح بدون تجريد في الرواية الثانية، ولفظها "فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة، وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها".
-[فقه الحديث]-
فيه وصية بأهل مصر والوصية بالخير لكل البلاد مطلوبة، لكنها مطلوبة بدرجة أكبر لأهل مصر لأن لهم عند المسلمين يدا وفضيلة.
وفيه معجزات لرسول الله ﷺ ظاهرة، ومنها:
[ ٩ / ٥٩٧ ]
إخباره بأن الأمة تكون لها قوة وشوكة بعده، بحيث يقهرون العجم والجبابرة.
وأنهم يفتحون مصر.
ومنها تنازع الرجلين في موضع اللبنة.
ومنها تواجد أبي ذر بمصر، وخروجه منها.
وقد وقع كل ذلك، ولله الحمد والمنة.
والله أعلم
[ ٩ / ٥٩٨ ]