٥٧٢٧ - عن جابر ﵁ قال اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر أو المهاجرون يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار فخرج رسول الله ﷺ فقال "ما هذا دعوى أهل الجاهلية" قالوا لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر قال "فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره"
٥٧٢٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال رسول الله ﷺ "ما بال دعوى الجاهلية" قالوا يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال "دعوها فإنها منتنة" فسمعها عبد الله بن أبي فقال قد فعلوها والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه".
٥٧٢٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فأتى النبي ﷺ فسأله القود فقال النبي ﷺ "دعوها فإنها منتنة" قال ابن منصور في روايته عمرو قال سمعت جابرا.
-[المعنى العام]-
في سنة ست من الهجرة وبعد النصر في غزة بني المصطلق استراح جند المسلمين عند بئر لبني خزاعة يسمى "المريسيع" ونفث المنافقون سمومهم في هذه الغزوة مرتين المرة الأولى وهي التي تحكيها قصة حديثنا تتلخص في أن بئر المريسيع كان قليل الماء فكان الصحابة يبتدرون
[ ١٠ / ٥٤ ]
الماء فيملأ الواحد حوضه ثم يجعل عليه نطعا يغطيه حتى يسقى منه هو وأصحابه وعلى الآخرين أن يدلوا بدلائهم ويملئوا أحواضهم فسبق إلى البئر جهجاه بن قيس الغفاري من المهاجرين خادم عمر فملأ حوضه وغطاه فجاء الأنصاري سنان بن وبرة الجهني وأرخى زمام ناقته لتشرب من حوض جهجاه
فضربه جهجاه برجله على عجيزته فلطمه سنان وتشابكا وتصارعا واستغاث كل منهما بقومه قال المهاجري يا للمهاجرين وقال الأنصاري يا للأنصار وسمع النبي ﷺ هاتين الاستغاثتين وهو في خبائه فخرج مغضبا وقال ما هذه العصبية القبلية وما هذه الدعوة الجاهلية ما سببها قالوا له تضارب غلامان مهاجري وأنصاري وانقضت المشكلة فقال لا بأس أن انتهت عند هذا الحد فقد خشيت أن تثار فتنة بين المهاجرين والأنصار ولكن احذروا هذه الدعوى فإنها منتنة وقد أنقذكم الله منها حسنا أن تنصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا حسنا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تكفونه عن ظلمه وبلغ عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ما حصل وأن المهاجري ضرب الأنصاري على دبره فكبر ذلك عليه وغضب فبرز ما في صدره من البغضاء للمسلمين ولرسولهم ﷺ على لسانه أمام أصحابه المنافقين فقال قد عظم شأن المهاجرين ونحن الذين قويناهم وساعدناهم وما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك ثم قال لأصحابه لئن رجعنا إلى المدينة لنخرجنهم منها "ليخرجن الأعز منها الأزل" وكان الصبي زيد بن أرقم قريبا منهم فسمع فأخبر عمه فقام عمه بإخبار رسول الله ﷺ فدعاه ﷺ وسأله فأنكر وحلف أن لم يحصل وقال أصحابه لرسول الله ﷺ أتصدق صبيا لا يضبط ما يسمع وتكذب سيدنا وكبيرنا فصدقه ﷺ ونزل القرآن الكريم يصدق زيدا ويكشف المنافقين فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق قال دعه لئلا يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى رسول الله ﷺ يقول له بلغني يا رسول الله أنك تريد قتل أبي فمرني يا رسول الله أن أتيك برأسه ووالله لو أمرتني لأتيتك بها فقال له ﷺ بل نحسن صحبته
وقبل دخول المسلمين المدينة بمرحلة ألقى ابن أبي لأصحابه المنافقين القنبلة الثانية قنبلة حديث الإفك حين رأى عائشة ﵂ وقد تأخرت عن الجيش تأتي يقود ناقتها صفوان فقال بين أصحابه والله ما نجت منه ولا نجا منها وأخذوا ينفخون النار في عرض عائشة بالمدينة أما عبد الله بن عبد الله بن أبي وهو المؤمن الخالص فقد وقف لأبيه على باب المدينة مشهرا عليه سيفه يقول له والله لأغمدن سيفي ولا أدعك تدخلها حتى تقول محمد الأعز وأنا الأذل فلم يبرح حتى قال ذلك قال له والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ بدخولها فرجع حتى لقي رسول الله ﷺ فشكا إليه ما صنع ابنه فأرسل إليه النبي ﷺ أن خل عنه يدخل ففعل ﵁ وأرضاه
[ ١٠ / ٥٥ ]
-[المباحث العربية]-
(اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار) في الرواية الثانية "كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار" والكسع ضرب الدبر والعجيزة بيد أو رجل أو سيف أو غيره وذلك عند أهل اليمن شديد والتعبير عنهما بالغلامين لما أنهما كانا تابعين كخادمين فالمهاجري هو جهجاه بن قيس الغفاري وكان مع عمر بن الخطاب يقود له فرسه والأنصاري هو سنان بن وبرة الجهني حليف الأنصار وكانا على بئر المريسيع يستقيان ومعنى اقتتالهما تضاربهما
(فنادى المهاجر أو المهاجرون يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار) قال النووي هو في معظم النسخ "يال" بلام مفصولة في الموضعين وفي بعضها "يا للمهاجرين" و"يا للأنصار" بوصلها وفي بعضها "يا آل المهاجرين" بهمزة ثم لام مفصولة واللام مفتوحة في الجميع وهي لام الاستغاثة والصحيح بلام موصولة ومعناه أدعوا المهاجرين وأستغيث بهم
وقوله "أو المهاجرون" صحيح على اعتبار أن رجلين أو ثلاثة من المهاجرين لحقوه أولا فنادوا معه
(فخرج رسول الله ﷺ) من خيمته التي كانت قد ضربت قريبة من البئر في غزوة بني المصطلق
(فقال ما هذا دعوى أهل الجاهلية) أي ما هذا النداء وما هذه الاستغاثة أتكون الاستغاثة بألفاظ الجاهلية والعصبية القبلية لا ينبغي أن يحصل هذا بل ينبغي أن تكون الاستغاثة باسم الإسلام ووحدة الإسلام فالاستفهام إنكاري توبيخي وفي الرواية الثانية "ما بال دعوى الجاهلية" أي ما حال دعوى الجاهلية وما شأنها لا ينبغي أن تعود
قال النووي وأما تسميته ﷺ ذلك دعوى الجاهلية فهو كراهة منه ذلك فإنه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا ومتعلقاتها وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل فجاء الإسلام بإبطال ذلك وفصل القضايا بالأحكام الشرعية فإذا اعتدى إنسان على آخر حكم القاضي بينهما وألزمه مقتضى عدوانه كما تقرر من قواعد الإسلام
(قالوا لا يا رسول الله) أي ليست دعوة جاهلية ولن نستجيب لها ولن نرجع إليها
(إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر قال فلا بأس) أي لم يحصل من هذه القصة بأس مما كنت خفته فإنه خاف أن يكون حدث أمر عظيم يوجب فتنة وفسادا وليس المراد رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية
(دعوها فإنها منتنة) أي دعوا دعوى الجاهلية لا تلجئوا إليها مهما حصل خلاف ولا تستجيبوا لها إن سمعتموها فإنها قبيحة كريهة مؤذية
[ ١٠ / ٥٦ ]
(ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره) وفي رواية للبخاري "قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تأخذ فوق يديه" وفي رواية له أيضا "فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره قال تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره" قال ابن بطال النصر عند العرب الإعانة وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يئول إليه وهو من وجيز البلاغة
وذكر بعضهم أن أول من قال انصر أخاك ظالما أو مظلوما جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية لا على ما فسره النبي ﷺ وفي ذلك يقول شاعرهم
إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم
على القوم لم أنصر أخي حين يظلم
(فسمعها عبد الله بن أبي فقال قد فعلوها والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) أي سمع ابن أبي قصة كسع المهاجر للأنصاري فقال قد فعلها المهاجرون أي تعالوا علينا ونحن الذين آويناهم لئن رجعنا من هنا من ديار بني المصطلق إلى المدينة ليخرجن الأعز يعني نفسه والأنصار الأذل يعني رسول الله ﷺ والمهاجرين
(قال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) كان ابن أبي والمنافقون معدودين في أصحابه ﷺ ويجاهدون معه إما حمية وإما لطلب دنيا وكان المسلمون مأمورين بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر
كان كلام عمر بعد أن علم النبي ﷺ بقول ابن أبي وبعد أن أرسل النبي ﷺ إليه فجحد وحلف وصدقه النبي ﷺ فنزلت الآيات تكذبه
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - ما عانى رسول الله ﷺ والمؤمنون من المنافقين
٢ - وأن القرآن فضحهم في هذه الحادثة
٣ - وصدق الناقل للخبر زيد بن أرقم الصحابي الجليل وكان صبيا
٤ - وأن نقل حديث الآخرين للمصلحة العامة ليس من الغيبة المحرمة بل نقل إيذاء المنافقين للمسلمين واجب ومن المصلحة الكبرى
[ ١٠ / ٥٧ ]
٥ - وأن استخدام الألفاظ الموهمة لغير مراد المتكلم تحتاج إلى توضيح المراد وترخص للمخاطب استيضاحها
٦ - وأن الأخذ على يد الظالم ومنعه من الظلم نصر له وعون له على حماية نفسه
٧ - وفي الحديث تنفير من العصبية القبلية ووصفها بالخبث والنتن
٨ - وفيه الحث على نصر المظلوم والحث على نصر الظالم بمنعه من الظلم
٩ - ومن الرواية الثانية حكمة الرسول ﷺ وحلمه على المنافقين قال القاضي عياض واختلف العلماء هل بقي حكم الإغضاء عن المنافقين وترك قتالهم أو نسخ ذلك عند ظهور الإسلام ونزول قوله تعالى ﴿جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة ٧٣] وهناك قول ثالث وهو العفو عنهم ما لم يظهروا نفاقهم فإذا أظهروه قتلوا اهـ والراجح معاملتهم معاملة المسلمين ما أظهروا الإسلام ففي أواخر أيامه ﷺ أعطى ابن أبي قميصا له يكفن فيه وما عوتب ﷺ إلا على أن صلى عليه فنزل ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة ٨٤]
أما معاملتهم معاملة المسلمين فظلت إلى نهاية نزول تشريعات الإسلام
والله أعلم.
[ ١٠ / ٥٨ ]