١٠٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت". رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة.
قالت: "كان يغتسل" قال العلماء - ﵏-: أن "كان" إذا كان خبرها فعلا فإنها تفيد الدوام الغالب لا المستمر، فإذا قال: "كان يفعل كذا"؛ فإن هذا يدل على أن هذا غالب أحواله، وليس حتما أنه مداوم عليه، فإطلاق بعضهم قول: "كان" تفيد الدوام ليس مرادا والدليل على هذا أن الصحابة - ﵃- قالوا: إن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية. وفي حديث آخر: كان يقرأ بالجمعة والمنافقين.
قولها: "يغتسل من أربع" "من" هنا للسببية؛ أي: بسبب أربع، وبينتها بقولها: "من الجنابة" وهذا بدل من قولها: "من أربع"، ولكنه بإعادة العامل وهو من الجنابة، والجنابة تفسر بأمرين: إما بالإنزال، وإما بالجماع، والأصل أنها للإنزال، لكن ألحق بها الجماع شرعا لحديث أبي هريرة السابق.
[ ١ / ٣٢٧ ]
"من الجنابة" وهي شرعا إنزال المني بشهوة أو بجماع.
وقولها: "ويوم الجمعة" يعني: ويغتسل يوم الجمعة لليوم أو للصلاة؟ للصلاة؛ لأنه لو كان لليوم لكان الغسل جائزا في أول النهار وفي آخر النهار، ولكنه للصلاة.
وقولها: "ومن الحجامة" يعني: ويغتسل أيضا من الحجامة، والحجامة: إخراج الدم بصفة مخصوصة معلومة عند الحجامين.
"ومن غسل الميت" يعني: إذا غسل الميت اغتسل، فهذه أربعة أشياء كان النبي ﷺ يغتسل منها.
أما غسله من الجنابة فهو فرض بالإجماع؛ لقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦].
وهذه أول الفوائد أو من فوائد هذا الحديث: مشروعية الغسل من الجنابة؛ لفعل النبي ﷺ له، لكنه واجب بافجماع لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. وأما غسل يوم الجمعة يأتي إن شاء الله، الغسل من الحجامة ليس فيه إلا الفعل فيستفاد منه مشروعية الغسل من الحجامة لا وجوب الغسل على أن بعض العلماء ضعف هذا الحديث، وقال: إنه لا يسن الغسل من الحجامة؛ لأن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ؛ ولأن الحجامة خروج دم من البدن فلا يشرع ل اغتسال كالرعاف.
ومن فوائده: الاغتسال من تغسيل الميت، وهذا ليس بواجب، وإذا لم يصح الحديث فليس بمشروع، وسبق الكلام عليه في باب نواقض الوضوء، فلم يبق عندنا الآن إلا شيئان: الغسل من الجنابة وهو فرض، والغسل من الجمعة وفيه الخلاف الذي يأتي إن شاء الله.