٤٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله". متفق عليه.
"يعجبه" أي: يسره، وهل الإعجاب الذي هو السرور والاستحسان شرعي أو طبعي؟ قد
[ ١ / ١٩٢ ]
يكون شرعيا، وقد يكون طبيعيا، فكان النبي ﷺ يعجبه الحلوى والعسل هذا شرعي أو طبعي؟ هذا طبعي، وكان يعجبه التيمن؟ هذا شرعي؛ لأنه هو ﷺ أمر به فقال: "ألا فيمنوا ألا فيمنوا". إذن يعجبه، يعني: يسره ويستحسنه.
"التيمن" يعني الأخذ باليمين، "في تنعله"، أي: في لبس النعل إذا أراد أن يلبس النعل بدأ باليمين، وكذلك في "ترجله" إذا أراد أن يجل شعر رأسه بدأ باليمن؛ لأنه ﷺ كان له شعر يصل أحيانا إلى فروع أذنيه، وأحيانا إلى منكبيه؛ لأن اتخاذ الشعر في زمنه يعتبر رجولة وقوة ونشاطا، وأحيانا يجعله ذوائب كما في حديث ابن عباس ﵄ "أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الليل فأخذ رسول الله ﷺ بذؤابته من خلفه"، وأحيانا لا يكون له ذوائب لكن في حق الرسول - ﵊- كان يصل إلى شحمة الأذنين، وأحيانا إلى المنكبين.
"وطهوره" يعني: تطهره كالوضوء والغسل إلا في العضو الواحد، فإنه يبدأ به جميعا كالرأس مثلا فإنه لا يبدأ بالصفحة اليمنى قبل اليسرى، اللهم إلا أن يقال: إذا كان ليس له إلا يد واحدة فربما يقال: ابدأ باليمين. وقولها: "في شأنه كله" أي: ما يهمه من أمور الدين والدنيا يبدأ باليمن.
في هذا الحديث: أن الرسول - ﵊- كان يجب التيامن في شأنه كله ونص على ثلاثة أشياء: التنعل، والترجل، والطهور، ولكن هذا الحديث ليس على عمومه أنه في كل الشئون يقدم اليمين، فقد نهى ﷺ عن الاستنجاء باليمن، و"كان يستنثر باليسار"، فليس على عمومه، لكن لا مانع أن يقال: إن النصوص تأتي عامة ولها ما يخصصها، "يعجبه التيمن في شأنه كله" نقول: هذا ليس على العموم كما سيأتي.
من فوائد هذا الحديث: أنه إذا أراد الإنسان أن يلبس النعل أن يبدأ باليمن وغير النعل مثلها، فإذا أردت أن تلبس السراويل فأدخل الرجل اليمنى قبل اليسرى، إذا أردت أن تلبس القميص فأدخل اليد اليمنى في كمها قبل اليسرى وعلى هذا فقس.
[ ١ / ١٩٣ ]
أسئلة:
- ما حكم دلك المتوضئ لأعضائه؟ الدلك إذا كان الماء قليلا لا يصل إلى العضو إلا بدلك فهو واجب، وإن كان الماء كثيرا فهو مستحب.
- هل الأفضل الإكثار من استعمال الماء طلبا للنظافة أو التقليل؟ الإقلال الدليل: ﴿ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]. ومن فعل الرسول أنه توضأ بثلثي مد.
- في حديث أبي هريرة: "إن أمتي يدعون" ما المراد بالأمة؟
- ما الفرق بين غرا ومحجلين؟ الغرة في الوجه، والتحجيل في الأيدي والأرجل.
- كيف نعرب "من أثر".
- حديث عائشة: "كان النبي يعجبه التيمن" هل قوله: "في شأنه كله" عام؟ لا، ما هو الدليل؟ لا يتمسح من الخلاء بيمينه.
- هل في حديث عائشة ما يدل على أن الرسول ﷺ يتخذ الشعر؟ نعم، من ذكرها الترجل، والترجل لا يكون إلا في الشعر.
- ما هو الترجل؟ تسريح الشعر ودهنه وإصلاحه.
- الفوائد:
قال: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله"، يستفاد من هذا: أن النبي ﷺ كان يحب التيمن؛ لأن الإعجاب هنا بمعنى: المحبة والسرور.
ومن فوائده: تقديم اليمين على اليسار لقولها: يعجبه التيمن. قال العلماء - ﵏-: إلا في مواطن الأذى والقذر فتقدم اليسرى، وأخذوا هذا الاستثناء من نهي النبي ﷺ عن الاستنجاء باليمين والتمسح بها، وعلى هذا فاليسرى تقدم للأذى واليمنى لما سواه، هذه قاعدة.
والأشياء ثلاثة أقسام: أذى ونزاهة، ولا أذى ولا نزاهة، تقدم اليمين في موضعين في النزاهة، وفيما ليس بأذى ولا نزاهة، أما ما فيه أذى وقذر فإنه يقدم له اليسرى.
هل يبدأ السواك بيمين فمه أو بشماله؟
نقول: يبدأ بيمين الفم لدخوله في قوله: "وطهوره"، أو في قوله: "وشأنه كله".
وهل يمسك السواك باليمنى أو باليسرى؟
قال بعض العلماء: يمسكه باليسرى مطلقا.
وقال بعضهم: باليمنى مطلقا، وفصل آخرون.
فمن قال: باليسرى، قال: إن السواك آلة تنظيف وآلة تطهير فهي كالحجر يستجمر به
[ ١ / ١٩٤ ]
الإنسان، والحجر الذي يستجمر به الإنسان يأخذه باليسار فيتسوك باليسار وهو المذهب عند الحنابلة أنه يستاك بيده اليسرى.
وقال بعض العلماء: بل باليمين؛ لأن السواك عبادة لقول النبي ﷺ: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب"، فهو عبادة ولا ينبغي للإنسان أن يفعل العبادة إلا باليمين، لا يفعلها بآلة القذر.
وفضل آخرون فقالوا: إن كان السواك لتطهير الفم فيأخذ باليسار، كما لو كان بعد الأكل بعد النوم بعد تغير الفم فيكون باليسار، وإذا كان لمجرد التطوع فهو باليمين كما لو توضأ الإنسان واستاك، ثم جاء إلى الصلاة فورا فهنا الفم لا يحتاج إلى تطهير لكنه يستاك عند الصلاة تسننا وتعبدا لله ﷿ فيأخذه باليمين، ولو قيل: إن الأمر في هذا واسع، وأن ألإنسان إن شاء باليمين وإن شاء باليسار لم يكن بعيدا؛ لأن هذه علل قد لا يستطيع الإنسان أن يجزم ببناء الحكم عليها، فنقول: الأمر واسع، وأما بداءة الفم فيبدأ باليمين الجانب الأيمن.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الترجل لكن هل هو سنة عبادة أو سنة عادة؟ قال الإمام أحمد ﵀ هو سنة لو نقوى عليه اتخذناه لكن له كلفة ومئونة، كلفة بالعمل ومئونة بثمن الدهن ونحوه، فالإمام أحمد ﵀ ترك اتخاذ الشعر لهذا وإلا فهو سنة عنده وقيل: إنه سنة عادة، وأن الناس إذا اتخذوه عادة فلا ينبغي للإنسان أن يخرج عن عادتهم، وإن لم يتخذوه فلا ينبغي أن يخالف عادتهم، وهذا عندي أقرب؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به، بل قال في الغلام الذي خلق بعض رأسه: "احلقوه كله أو اتركوه كله".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يعتني بنفسه في النظافة، وجهه: أن النبي ﷺ كان يرجل شعره، وهذا لا شك أنه تنظيف له، فالذي ينبغي للإنسان ألا يكون أشعث أغبر، بل يصلح من شعره ما يستطيع إصلاحه؛ لما في ذلك من النظافة والتجمل، والله - ﷾- جميل يحب الجمال، وأما أن يبقي نفسه رثا كريه المنظر فهذا ليس من الأدب الإسلامي، الأدب الإسلامي أن يكون الإنسان متجملا كما قال الصحابة - ﵃-: يا
[ ١ / ١٩٥ ]
رسول الله، إن أحدنا يحب أن يكون وجهه حسنا ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال".
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التنعل؛ لأن النبي ﷺ كان يتنعل لكن هل الأفضل التنعل أو الحفاء، أو في ذلك تفصيل؟ نقول: أما إذا كان الإنسان سيمشي على أرض تضره فلا شك أن التنعل أولى بل قد يكون واجبا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. كما لو كانت الأرض ذات حصى لها أسنة فهنا لا يجوز أن يمشي عليها بلا نعال، مثل أرض الحرة في المدينة، هذه لو مشى الإنسان عليها أمتارا غير بعيدة تقطعت رجله، فهنا نقول: لا يجوز أن يخاطر بنفسه ويمشي على هذه الأرض التي تضره؛ لأن الإنسان مأمور بحفظ نفسه.
وأما إذا كانت الأرض عادية فالأفضل أن يحتفي أحيانا ويتنعل أحيانا، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود قال: "كان النبي ﷺ ينهى عن كثرة الإرفاه ويأمر بالاحتفاء أحيانا".
ومن هنا نعرف أن ما يذهب إليه المترفون الذين يلبسون الجوارب والخفين حتى في أحر الأيام صيفا، هذا لا داعي له، اللهم إلا أن يكون في رجله شيء يحب أن يستره، أو أن فيها مرضا لو كشفها تأثرت بالكشف، هذا معذور، أما إن يعود نفسه إلى هذا الحد فإن رجله ستكون أرق من يده؛ لأنها في هذه الحال لا تبدو للشمس ولا للهواء فتكون رقيقة لا يستطيع أن يمشي عليها كما قال لي ذلك بعضهم قال: إني إذا مشيت على رجلي كأني مشيت على خدي من شدة الألم لا يستطيع أن يمشي أبدا لأنه عود نفسه على هذه الرفاهية، والرسول - ﵊- كان ينهى عن ذلك ويأمر بالاحتفاء أحيانا.
ومن فوائد هذا الحديث: استحباب البداءة باليمين في التطهر اليدان والرجلان لا شك أن الإنسان يبدأ باليمين فيهما كما تواترت به السنة.
الأذنان هل يمسحهما اليمنى قبل اليسرى أو نقول هما جزء من الرأس يمسحهما جميعا؟
الثاني هو الحق أن الأذنين لا ترتيب بينهما أي بين اليمين واليسار، اللهم إلا إذا كان لا يستطيع أن يمسحهما جميعا، فهنا نقول ابدأ باليمين.
إذا كان على الإنسان خفان هل يمسحهما جميعا أو يمسح اليمنى قبل اليسرى؟ هذا فيه احتمال؛ حديث المغيرة بن شعبة ذكر أن النبي صلى الله عليه سلم لما أهوى المغير لينزع خفيه أنه قال:
[ ١ / ١٩٦ ]
"دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما"، وهذه الجملة تحتمل أنه مسح عليهما بالترتيب، وتحتمل أنه مسح عليهما جميعا، والعلماء - ﵏- اختلفوا في هذا؛ فمنهم من قال: يمسحان مرة واحدة؛ لأن هذا شأن كل ممسوح وهو ظاهر حديث المغيرة، ومنهم من قال: يبدأ باليمنى؛ لأن المسح عليهما بدل عن الغسل، والغسل يبدأ فيه باليمنى قبل اليسرى، والذي يظهر أن الأمر في هذا واسع إلا إذا كان لا يستطيع المسح إلا بيد واحدة فهنا يبدأ باليمنى.
في حال الغسل هل يبدأ بالجانب الأيمن قبل الأيسر أو يغسل الجسم جميعا مرة واحدة؟ الأول أنه يبدأ بالجانب الأيمن؛ لقول النبي ﷺ لأم عطية وهو ممن شارك في غسل إحدى بناته قال: "ابدأن بميامنها ومواضع السجود منها"، وقيل: إنه في الغسل لا يرتب بل يغسل الجسم جميعا؛ لأن الجسم عضو واحد، والعضو الواحد ليس فيه ترتيب، ولكن الأول أولى، يعني: أنه يتيامن حتى في الغسل.
٤٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم". أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة.
"إذا توضأتم" يعني: فعلتم الوضوء ووصلتم إلى غسل اليدين فابدءوا باليمنى، وكذلك يقال في الرجلين، والأمر هنا هل نقول هو للوجوب أو للاستحباب؟ هو للاستحباب في الواقع؛ لأن الله قال: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. ولم يرتب؛ وإنما رتب بين الأعضاء دون العضوين الذين هما في مقام العضو الواحد.
فيستفاد من هذا الحديث: أن التيامن في الوضوء ثابت في السنة الفعلية والسنة القولية؛ أما ثبوته بالسنة الفعلية ففي حديث عائشة، وأما ثبوته بالسنة القولية ففي هذا الحديث.
[ ١ / ١٩٧ ]