١٢٧ - وعن علي ﵁ قال: "انكسرت إحدى زيدي فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر". رواه ابن ماجه بسند واه جدا.
قوله: "انكسرت إحدى زندي" الذراع فيه عظمان متباريان كل عظمة منهما تسمى زندا، فانكسرت إحدى زنديه ﵁، فوضع عليها جبائر بأمر النبي ﷺ أو بغير أمره، المهم أن الرسول ﷺ أمره أن يمسح على الجبائر.
والجبائر: عبارة عن أعواد أربعة أو اثنين تشد على محل الكسر بعد أن يلائم الكسر بعضه إلى بعض، ثم تشد عليه هذه الجبائر وتحتها خرقة وفوقها خرقة، وذلك من أجل أن ينضبط العظم حتى لا يختل بعد أن كان متلائما، وهذا النوع من الجبائر مفيد جدا وهو أفيد بكثير مما يفعله الأطبائ الآن من وضع الجبس؛ لأن الجبس لا يقدر أن يشد الرجل جيدا ثم إنه يكون فيه رائجة كريهة، وهو أيضا مؤذ للإنسان من جهة ثقله وتحمله، لكن هذه الجبائر يسيرة جدا، ولا تكلف، والغالب أنها أسرع نجاحا مما يفعله الأطباء الآن؛ قال: "أن امسح على هذه الجبائر" الجبائر: جمع جبيرة، وهي - كما قلت لكم- ما يشد على الكسر، وسميت جبيرة بمعنى جابرة تفاؤلا؛ لأن العرب يعبرون عما يستكره باسمه بما يقابله تفاؤلا، ولذلك سموا المهلكة "مفازة" من باب التفاؤل وهذا حسن؛ لأن النبي ﷺ كان يعجبه الفأل.
وهذا الحديث يقول المؤلف: "رواه ابن ماجه بسند واه جدا". الواهي: الضعيف، وهي بمعنى: ضعف، و"جدا" مصدر عامله محذوف تقديره: "أجده جدا" يعني: أجد هذا الحكم جدا؛ يعني: أحقه إحقاقا.
إذا كان كذلك فهل يمكن أن يحتج بمثله على حكم من الأحكام، ولاسيما الحكم الذي يتعلق بالصلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؟ الجواب: لا، ولكن يبقى أن ننظر هل له شواهد؟ إذا كان له شواهد تقويه صار حسنا لغيره كما قال أهل العلم بالمصطلح، فيقول الشاهد:
[ ١ / ٣٧٤ ]
١٢٨ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ - في لرجل الذي شج، فاغتسل فمات-: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده". رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على راويه.
هذا الحديث خفف المؤلف ﵀ أمر ضعفه قال: "فيه ضعف" ولم يقل: إنه ضعيف جدا، فربما يقال: إنه صالح بأن يكون شاهدا لحديث علي، وقد يقال: إنه ليس بشاهد؛ لأن حديث علي ضعيف جدا فلا يحتج به، وإذا كان ضعيفا ساقطا يبقى هذا فيه ضعف أيضا، وفيه اختلاف على روايته وفي متنه وفي سنده، وعلى هذا ففيه ضعف وفيه اضطراب، وحينئذ يبقى الحكم في النفس منه شيء، فهل هناك قياس يعضد هذا؟ ننظر.
أولا: نشح الحديث: هذا رجل بعثه النبي ﷺ مع أصحابه في سرية فشج وأصابته جنابة، فسأل أصحابه: ماذا تقولون؟ قالوا: لا نرى إلا أن تغتسل؛ لأنهم - ﵃- ليس عندهم شيء يستندون إليه فاغتسل فدخل الماء الشجة، -كما تعرفون- هي الجرح في الرأس وهو به خاصة، وفي بقية البدن يقال جرح ولا يقال: شجة، دخل الماء إلى رأسه فمات فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال فيهم: "قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي - يعني: الجهل- السؤال" هذا الحديث بكماله.
وقال - ﵊-: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب" يعني: يشد، مأخوذة من العصابة؛ وهي ما يعصب به الرأس ويحيط به على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده، فقال: "أن يتيمم" وظاهر اللفظ أنه يتيمم أولا، ثم يعصب على الجرح خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده.
"رواه أبو داود بسند فيه ضعف" في بعض ألفاظه إسقاط "تيمم"، وهذه الراوية التي فيها إسقاط التيمم أقرب من حيث القياس إلى الصواب، فلننظر الآن إذا كانت الروايات ضعيفة عن الرسول - ﵊- ننظر القياس، القياس نقول: هذا عضو ستر بساتر مباح للضرورة فأيهما أقرب أن يلغى مسحه ويتيمم، أو نلغي مسحه والتيمم، أو نجمع بينهما؟ له شيء يماثله بعض الشيء المسح على الخفين يمسح الخف ولا يلزم نزعه، وغسل الرجل ولا يجمع بين المسح والتيمم، فأحسن ما يقال ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ في المشهور عنه
[ ١ / ٣٧٥ ]
أنه يضع العصابة على الجرح، ويمسح عليه ويغسل الباقي ولا حاجة للتيمم هذا أقرب ما يكون من الأقوال، وأقرب ما يكون إلى القياس.
وعلى هذا فنقول: إاذ حصل للإنسان جرح يضره الماء غسلا ومسحا، وقد عصب عليه عصابة فإنه يمسح هذه العصابة ويكفي، فإن كان يضره الغسل والمسح والإعصاب- بمعنى: أن بقاءه هاويا للهواء والشمس أقرب للشفاء- فهنا يتعين التيمم. هذا أقرب الأقوال في هذه المسألة.