٩٠ - وللسبعة عن أبي أيوب ﵁: "فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا".
قوله: "عن أبي أيوب ﵁" أي: عنه، عن النبي ﷺ، وسبق في حديث سلمان: "لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول"، ويكون هذا الحديث زائد على ما سبق الاستدبار.
"القبلة": هي الكعبة أو جهتها، وقوله: "ولكن شرقوا أو غربوا" هذا التوجيه لأهل المدينة، ومن كانت قبلته قبلتهم؛ لأن أهل المدينة قبلتهم الجنوب فإذا شرقوا أو غربوا صارت القبلة عن أيمانهم أو عن شمائلهم، فيكون في هذا الحديث خطاب موجه لطائفة من الناس خاصا بها وبمن كان مثلها.
يستفاد من هذا الحديث: تحريم استقبال القبلة واستدبارها حال الغائط أو البول لقوله: "بغائط أو بول".
ويستفاد منه: بمفهومه أنه لا يحرم أو ينهى عن استقبالها أو استدبارها بالاستنجاء؛ يعني: لو أن الإنسان تخلى في مكان وقام ليستنجي في مكان آخر؛ فإنه لا حرج أن يستقبل القبلة أو يستدبرها، وأما قول بعض الفقهاء - ﵏- أنه يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء؛ فهذا يحتاج إلى دليل.
ومن فوائد هذا الحديث: احترام القبلة، وألا يتوجه الإنسان إليها حال قضاء الحاجة ولا يستدبرها.
ومن فوائد الحديث: أن الأكمل أن تكون القبلة عن يمينه، أو عن يساره.
ومن فوائد الحديث: أن الانحراف اليسير لا يعتبر مخالفة؛ لأنه قال: "شرقوا أو غربوا"، وهذا انحراف كثير ولا يكفي الانحراف اليسير، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي استقبال القبلة في حال الصلاة، وأن الإنسان إذا استقبل القبلة حال الصلاة ولو انحرف يسيرا فإن ذلك لا يضر، والذي لا يضر أن ينحرف كثيرا بحيث تكون القبلة عن يساره أو عن يمينه.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الخطاب بلفظ يعم الأمة ولفظ يخص بعض الأمة، أيهما الذي يعم الأمة؟ "لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها بغائط أو بول" هذا عام لجميع الأمة، "ولكن شرقوا أو غربوا" خاص بأهل المدينة، ومن كان مثلهم بالنسبة لنا هنا نقول: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن أشملوا أو أجنبوا"؛ لأن القبلة في القصيم جهة الغرب فيقال لأهل القصيم: "أشملوا أو أجنبوا".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز ذلك؛ أي: استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول ولا في البنيان؛ لأن الحديث عام ما قال: "إلا في البنيان"، والأصل العمل بالعموم حتى يقوم دليل على التخصيص؛ ولهذا يقول أبو أيوب ﵁: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله". وهذا يدل على أن أبا أيوب فهم أن الحديث عام سواء كان ذلك في البنيان أو في القضاء، وجه ذلك: أن الإنسان يقال إنه مستقبل القبلة ولو كان في البنيان ولهذا لو كان في الحجرة واستقبل القبلة في الصلاة يقال: إنه مستقبل، وعلى هذا فلا فرق، لكن في حديث عبد الله بن عمر ﵄ يقول: رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة". فهنا نقول: جاز استدبار الكعبة في البنيان لفعل النبي ﷺ، ولأن الاستدبار أهون من الاستقبال؛ لأن الإنسان يستحي أن يستقبل الناس بوجهه حال قضاء الحاجة، لكن لا يستحي أن يستدبرهم؛ ولهذا يدل على أن الاستقبال أكثر من الاستدبار، فهل يقاس عليه الاستقبال؟ من العلماء من قال: يقاس عليه، وأنه في البنيان لا بأس من استقبال القبلة واستدبارها، وعلى هذا فالمراحيض التي ببيننا الآن إذا كانت مستقبلة الكعبة أو مستدبرتها فلا بأس بها، ولكن الصحيح العموم أنه لا يجوز لا في القضاء ولا في البنيان.
بقي علينا: هل لنا أن نخصص هذا النهي وهو سنة قولية بالسنة الفعلية؟
من العلماء من يرى أن الألفاظ لا تخصص بالأفعال، وأننا نحن مطالبون بتنفيذ السنة القولية، أما السنة الفعلية فلا؛ لأن السنة الفعلية تحتمل الخصوصية وتحتمل الحاجة؛ أي: أنه فعل ذلك لحاجة، وتحتمل أن الرسول ﷺ فعله بسبب آخر، وهو لم يعلنه على الناس، هو في بيت حفصة مستدبر الكعبة لم يعلنه فلا يمكن أن نخصص به اللفظ العام، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، ومنهم الشوكاني في شرح المنتقى، ولكن الصحيح: أن السنة القولية تخصصها السنة
[ ١ / ٣٠٤ ]
الفعلية؛ لأن الكل حق، واحتمال الخصوصية غير وارد، واحتمال النسيان غير وارد، واحتمال سبب آخر غير وارد؛ لأن الأصل التشريع في أقوال النبي ﷺ والتأسي به، ثم إنه لا حاجة إلى أن نقول بتقديم القول إذا تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن، فإذا كان ممكنا وجب العمل بالحديثين جميعا؛ لأنك لو قلت: هذا الفعل لا يخصص ألغيت سنة، ولو قلت: هذا الفعل يخصص إذا كان في البنيان لم تلغ سنة؛ إذن القول الراجح: أن حديث عبد الله بن عمر ﵄ مخصص لعموم حديث أبي أيوب.
بقي أن يقال: هل يقاس عليه الاستقبال؟
الجواب: لا، لا يقال؛ لأن من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، والتساوي هنا لا يوجد، ويدل لهذا أن حديث سلمان في النهي عن الاستقبال دون الاستدبار مما يدل على أنه الاستقبال أشنع، وإذا كان أشنع فإنه لا يمكن أن يقاس على ما هو أهون منه.
فإن قال قائل: إذا كان الرجل قد بنى مراحيضه متجهة إلى القبلة فماذا يصنع؟
نقول: يجب عليه أن ينقضها ويخلفها، فإن قال: أنا أنحرف. نقول: أنت إذا استطعت أن تنحرف فربما يخلفك من لا ينحرف، فتكون أنت السبب في انتهاك حرمة الكعبة، وعلى هذا فلابد لمن بنى مراحيضه متجهة إلى القبلة أن ينقضها ويوجهها إلى جهة أخرى.
ومن فوائد هذا الحديث: ما سبق من تعظيم القبلة واحترامها.