٧٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه". أخرجه الأربعة، وهو معلول.
"كان إذا دخل الخلاء" أي: إذا أراد دخوله "وضع خاتمه" أي: أخرجه من أصبعه ووضعه قبل أن يدخل به الخلاء، وكان النبي ﷺ يتختم إما باليسرى، وإما باليمنى، وذكر بعضهم أن تختمه باليسرى أكثر من تختمه باليمنى، وإنما كان يتختم؛ لأنه ﷺ قيل له: إن الملوك لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختوما. فاتخذ خاتما ونقش على فصه "محمد رسول الله" أسفل و"رسول"
[ ١ / ٢٨١ ]
في الوسط، و"لفظ الجلالة" فوق، حتى إذا انتهى من الكتاب ختمه بهذا الخاتم، وإنما اختار - ﵊- أن يكون خاتمه خاتما بيده؛ لأنه أحوط له من الضياع وآمن من التلاعب، خصوصا وأنه فيما سبق في عهد الرسول ﷺ أكثر لباسهم إزار ورداء ليس هناك جيوب يضعون فيها الأشياء، فإذا قدر أنه جعله في ردائه وصر عليه ربما يتلاعب به.
ففي هذا الحديث من الفوائد:
أولا: جواز لبس الخاتم، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لبسه ولم ينه عنه.
فإن قال قائل: إذن لماذا لا تقولون: إن لبس الخاتم سنة؟
نقول: لا نقول هذا؛ لأنه لا يظهر في لبسه أدب التعبد، وإنما اتخذه النبي - ﵊- لحاجة وهي الختم الرسمي كما يقولون، وعليه فنقول: إذا كان الإنسان ذا قضاء، أو حكم، أو إمرة، أو وزارة أو ما أشبه ذلك سن له أن يتخذ الخاتم اقتداء بالرسول ﷺ، وكما عرفتم العلة في ذلك، وأما عامة الناس فإنه يجوز لهم اتخاذه، أما النساء فهو من زينتهن؛ ولهذا أبيح لهن التختم بالذهب، والعقيق، والفضة، وأما الرجال فلا يجوز لهم التختم بالذهب، ويجوز لهم التختم بالفضة.
ولكن لو قال قائل: إذا كنا في عصر لا يلبس فيه الخاتم إلا من كان مغمورا في الناس ومخالفا للمروءة؟
فنقول: إذا كنا في عهد هكذا فالأولى عدم لبسه؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للغيبة، أو يعرض نفسه لما يكرهه الناس منه، أو ما أشبه ذلك، الإنسان يجب أن يحمي نفسه عن الأذى والضرر، حتى إن الرسول - ﵊- نهى أن يهين الرجل نفسه فيتكلم بما لا يطيق.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي الدخول للخلاء بشيء فيه ذكر الله، لأن الرسول ﷺ كان إذا أراد دخول الخلاء وضع خاتمه.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يخشى عليه لو دخل المرحاض ووضعه أن يسرق كما في المجامع، في المساجد، وفي الحرمين وفي غيرها؟
[ ١ / ٢٨٢ ]
فالجواب: أن الأمر ليس على سبيل التحريم حتى نقول إن هذا يؤدي إلى حرج الأمر على سبيل الاستحباب، وإنما قلنا: على سبيل الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به ولكن فعله، وفعل النبي ﷺ المجرد يدل على الاستحباب لا على الوجوب، فالحمد لله يخلعه من أصبعه ويجعله في جيبه إن كان له جيب، وإن لم يكن له جيب كما لو كان محرما بحج أو عمرة فليبقه على ما هو عليه ولا حرج.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم ما فيه ذكر الله إلى حد أنه لا يدخل به الخلاء، ومن باب أولى ألا يرمى في الطرقات أو في الأماكن القذرة؛ لأن اسم الله تعالى أعظم الأسماء ولاسيما لفظ الجلالة الذي لا يسمى به غيره، وكذلك الرحمن، ورب العالمين، والملك القهار، مما لا يسمى به غير الله فإنه لا يمتهن.
فإن قال قائل: ما تقولون في دخول المتخلي بالمصحف؟
فالجواب: أن العلماء - ﵏- صرحوا بأن دخول المخلي بالمصحف محرم؛ لأن عظمة المصحف أعظم من مجرد عظمة الذكر، يعني: أعظم من عظمة الذكر المجرد، فلا يجوز أن يدخل محل قضاء الحجة بالمصحف.
فإن قيل: لو خاف إذا وضعه أن يسرق؟
قلنا: هذه حاجة فله أن يدخل وهو معه للحاجة.
أسئلة:
- ما المراد بآداب قضاء الحاجة؟
- وما المراد بقضاء الحاجة؟
- لماذا كنوا عن هذا بقضاء الحاجة؟
- لماذا كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه؟
- هل هذا الحديث يدل على تحريم دخول ما فيه ذكر الله؟
- هل يدل على كراهة الدخول بما فيه ذكر الله؟
- هل عدم فعل المستحب يكون مكروها؟