١٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁: "في قصة ثمامة بن أثال، عندما أسلم وأمره النبي ﷺ أن يغتسل". رواه عبد الرازق، وأصله متفق عليه.
ثمامة بن أثال الحنفي المشهور ﵁، كان كافرا فخرج إلى مكة معتمرا، فصادفته خيل النبي ﷺ فأسروه وجاءوا به إلى المدينة وأسر في سارية المسجد، فكان النبي ﷺ يمر عليه بقوله: "ما عندك يا ثمامة؟ " فيقول: عندي خير إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم أنعمت على شاكر، وإن ترد المال فسل ما شئت، فتركه النبي - ﵊-، ثم في اليوم الثاني أتى إليه فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير، إن تنعم تنعم على شاكر، وتركه في اليوم
[ ١ / ٣٢٨ ]
الثالث أتى إليه، مر به وقال: "ما عندك؟ " قال: عندي خير وما قلت لك بالأمس، فقال النبي ﷺ: "أطلقوه"، فأطلقوه، فكان في هذا الإطلاق ملك له في الواقع، بمعنى: أن النبي ﷺ بمنه عليه بالإطلاق ملكه، ذهب الرجل إلا حائط واغتسل ودخل المسجد، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أسلم ثم قال: يا محمد، والله ما كان على الأرض أحد أبغض إلي من وجهك؛ ولقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، وما على الأرض دين أبغض إلي من دينك؛ فأصبح دينك أحب الدين غلأي، وما في البلاد بلاد أبغض إلي من بلادك؛ فأصبحت بلادك أحب البلاد إلي، ثم قال: يا محمد، إن خيلك أخذوني وأنا أريد العمرة فما تأمرني - يعني: هل أمضي أو أرجع إلى قومي؟ -فقال له: "امض" وبشره بالخير، فمضى في عمرته.
فلما دخل مكة سمعه أهل مكة يلبي لبيك اللهم لبيك، فقالوا له: لقد صبئت يا ثمامة، فقال: والله ما صبئت ولكني كنت مع محمد ﷺ في دينه، ثم قال لهم: والله لا يأتيكم مني جبة إلا بإذن النبي ﷺ، وكان أهل مكة يأتون منه بالحب؛ يعني: يمتارون منه، فأقسم ألا يعطيهم إلا بعد أن يأذن النبي ﷺ، ثم إن قريشا كتبوا إلى النبي - ﵊-: إنك لتصل الرحم وهذا ثمامة منع منا الحب، يستشفعون بالرسول - ﵊- فأرسل إليه وأمره أن يأذن لهم بالامتيار من عنده، فهذه قصة الرجل هذا الرجل أسر في سارية المسجد، وإنما أسر في هذه السارية من أجل أن يرى المسلمين وصلاتهم وتحابهم وتعاطفهم وأخلاقهم تأليفا له على الإسلام لا إهانة له؛ لأنه بالإمكان أن يربط خارج المسجد لكنه ربط بالمسجد من اجل هذه الفائدة العظيمة، وكان الرسول ﷺ يمر به ويسأله كما سمعتم.
ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز ربط الأسير بسارية المسجد؛ لأن النبي ﷺ أقر ذلك إن لم يكن أمر به.
ومنها: ملاطفة الأسير والإحسان إليه؛ لأن في ذلك تأليف له على الإسلام، وقد عرفتم النيجة.
ومنها: جواز مكث الكافر في المسجد؛ لأن ربطه بسارية في المسجد يستلزم مكثه، فاستدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز لبث الجنب في المسجد، وقالوا: إن الكافر حدثه أعظم من حدث الجنب؛ فإذا جاز لبثه في المسجد جاز لبث الجنب، ولكن هذا قياس في مقابلة النص، فإن النبي ﷺ نهى أن يمكث الجنب في المسجد. بل قال الله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: ٤٣].
ومن فوائد هذا الحديث: أمر الكافر إذا أسلم بالاغتسال، هذا إن صح الحديث بهذا اللفظ،
[ ١ / ٣٢٩ ]
وكما سمعتم أن الحديث في الصحيحين، لم يأمره النبي ﷺ بذلك، ولكن هو الذي ذهب إلا أنه لا منافاة بينهما؛ لأن اغتساله قد يكون عن أمر النبي ﷺ، فيكون في هذا الحديث دليل على أمر الكافر إذا أسلم بالاغتسال.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، منهم من قال: إن الأمر للاستحباب، والذي صرفه إلى الاستحباب العدد الكثير الذين كانوا يسلمون ولا يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، ولو كان الاغتسال واجبا لكان هذا مما ينتشر بين الناس؛ لأن الذين يسلمون في عهد الرسول ﷺ كثير، وعلى هذا فيكون الأمر للاستحباب.
ومنهم من قال: إن الأمر للوجوب؛ وعلل ذلك بأن الأصل في الأمر الوجوب؛ وكونه لم ينقل أنه لم يأمر كل من أسلم بالاغتسال لا يدل على العدم؛ لأن عدم النقل في أعيان من أمروا لا يدل على عدم الأمر، فلعل هذا كان أمرا مشهورا، وكان الرجل إذا أسلم اغتسل ولا يحتاج إلى أمر؛ ولأن ذلك أحوط وأبرأ للذمة؛ ولأن ذلك يعطي المسلم حافزا على التطهر من أدران الشرك، كما أمر أن يتطهر ظاهره فيكون تطهير ظاهره عنوانا على تطهير باطنه، وهذا القول لا شك أنه أقرب إلى الصواب أن كل من أسلم يؤمر وجوبا أن يغتسل.
ولكن إذا لم يفعل فهل تصح صلاته بدون ذلك؟ الظاهر نعم؛ لأن هذا الاغتسال ليس عن حدث، وإنما هو من اجل تطهير ظاهره كما طهر باطنه، وقال بعض العلماء: إن كان قد حصل له في حال كفره ما يوجب الغسل وجب عليه أن يغتسل وإلا لم يجب سواء اغتسل في كفره أو لم يغتسل، وقال بعضهم: إذا حصل عليه ما يوجب الغسل في كفره فاغتسل لم يجب عليه الغسل بعد الإسلام وإلا وجب، لكن أقرب الأقوال هو الوجوب، لما في ذلك من بعث الهمة وتنشيطها وإشعاره بأنه يجب أن يتطهر الإنسان من الكفر في ظاهره وباطنه، أما بقية الفوائد في القصة فلا حاجة لذكرها، لأنها لم تذكر في الأصل.