٥٨ - وعن عمر ﵁ - موقوفا- وعن أنس - مرفوعا-: "إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من الجنابة". أخرجه الدارقطني، والحاكم وصححه.
[ ١ / ٢٣٣ ]
قوله: "إذا توضأ أحدكم" متى يصدق على الإنسان أنه توضأ؟ إذا أتم طهارته: إذا غسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، وغسل رجليه، صح أنه توضأ، وقوله: "فليمسح عليهما وليصل فيهما" اللام في هذين الفعلين للأمر، ولذلك سكنت اللام لوقوعها بعد الفاء في الجملة الأولى، وبعد الواو في الجملة الثانية.
ففي هذا الحديث دليل على فوائد:
منها: أنه لا يجوز المسح على الخفين إلا إذا لبسها بعد استكمال الطهارة، وهذا يؤخذ من قوله: "إذا توضأ".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يرجح القول في أنه غسل الرجل اليمنى وأدخلهما الخف، ثم اليسرى وأدخلها الخف، فإذا لا يسمح لأنه أدخل اليمنى قبل أن يتم وضوءه، فإذا صح هذا الحديث فإنه يرد القول بأنه يجوز أن يدخل الرجل اليمنى قبل أن يغسل اليسرى ثم يغسل اليسرى ويدخلها وهذا جائز عند شيخ الإسلام ﵀ وجماعة من العلماء، وقال: إنه لا ينافي حديث المغيرة "إني أدخلتهما طاهرتين"، لكن إذا صح هذا الحديث فهو واضح أنه لابد من استكمال الطهارة، والأمر سهل، يعني: لا يبقى عليك أن تخرج من الشبهة إلا أن تؤخر إدخال اليمنى حتى تغسل اليسرى.
ومن فوائد هذا الحديث: ترجيح المسح على الخلع للابس الخف لقوله: "فليمسح عليهما، ولا يخلعهما" وقد سبق بيان ذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: الصلاة في الخفين لقوله: "فليصل فيهما".
فإن قال قائل: أرأيتم لو كان فيهما قدرا نجسا؟ قلنا: لا يصلي فيه حتى يطهره، وبماذا يطهرهما؟ يطهرهما بالتراب يمسح الخف في الأرض حتى تزول النجاسة؛ لأنه هكذا جاءت السنة، وأما قول من يقول: لابد من غسلهما فهذا قول ضعيف لمخالفته السنة من وجه؛ ولأن فيه مشقة على الإنسان؛ لأنه لو غسل الخف ثم لبسه تأذى بالبرودة؛ ولأن فيه إفسادا للخف فعلى كل حال لا شك أن تطهير الخفين بالتراب.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا مسح على الخفين في الجنابة لقوله: "ولا يخلعهما إن شاء الله إلا من الجنابة" وسبق ذلك، وبيان الحكمة من كون الجنابة لابد فيها من غسل الرجل.
٥٩ - وعن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ "أنه رخص للمسافر ثلاثة أيتام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه: أن يمسح عليهما". أخرجه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة.
[ ١ / ٢٣٤ ]
يقال في قوله: "إذا تطهر". ما قيل في قوله: "إذا توضأ"، والباقي واضح.
٦٠ - وعن أبي بن عمارة ﵁ أنه قال: "يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم.
قال: يوما؟ قال: نعم. قال: ويومين؟ قال: نعم. قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت".
أخرجه أبو داود، وقال: ليس بالقوي.
عندي تعليق على هذا: قال الإمام أحمد: رجاله لا يعرفون، وقال الدارقطني: هذا إسناد لا يثبت. وقال ابن معين: إسناد مظلم.
الحديث هذا يدل على أنه لا توقيت في المسح على الخفين؛ لأن النبي ﷺ قال: نعم وما شئت"، لكنه إذا كان لا يثبت عن النبي - ﵊- فإنه لا عبرة به، ولا يرجع إليه، وذكره المؤلف ﵀ ليبين قول أبي داود فيه، وقال: ليس بالقوي، وبعض العلماء قال: إنه يصح هاذ الحديث ويحمل على الضرورة، بأن يكون الإنسان مسافرا لا يتمكن من الحصول على الماء لغسل الرجلين في كل وضوء، أو يكون في مكان بارد بحيث لو خلع الخف لسقطت أصابعه من البرد، أو ما أشبه ذلك، ولكن هذا محمل ضعيف؛ لأن الحديث ليس فيه هذا، ويكفينا أن نقول: هذا الحديث لم يثبت عن النبي ﷺ، والأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على التوقيت فيؤخذ بها، أما مسألة الضرورة كما لو كان الإنسان في جو بارد شديد يخشى على قدميه من التفتر، أو من سقوط الأصابع من البرد فهذا يقال فيه: إنه يعامل معاملة الجبيرو، يعني أنه يمسح عليه ما كان محتاجا.
٥ -
[ ١ / ٢٣٥ ]