١١٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة.
قوله: "إني لا أحل" الجملة هذه مؤكدة ب"إن"، وقوله: "لا أحل" أي: لا أجعله حلالا تكون فيهالحائض وتمكث فيه، "ولا جنب" أي: منعليه جنابة، وعرفتم أن الجنابة تكون بأحد أمرين: إما الإنزال بشهوة، وإما الجماع، ومعنى: لا أحل" أي: لا أحل المكث فيه، أما المرور فإنه لا بأس به كما سنذكره إن شاء الله.
في هذا الحديث فوائد:
منها: جواز إضافة التحليل والتحريم إلى الرسول - ﵊-، وأنه - ﵊- يحلل ويحرم كما أن الله - ﵎- يحلل ويحرم، قال الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. كذلك النبي - عليه الصلا والسلام- له أن يحلل ويحرم كما له أن يأمر وله أن ينهى.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم المساجد، وذلك بمنع الحائض والجنب منها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز للحائض أن تمكث في المسجد سواء مكثت جالسة أو مضطجعة، أو مترددة فيه، ومن ثم منع النبي ﷺ الحائض من الطواف، فإن العلة الظاهرة فيه - أي: منعالحائض من الطواف- هو أنها تمكث في المسجد لأنها تتردد، والتردد هذا بمنزلة المكث؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: "إن الحائض إذا اضطرت إلى أن تطوف فلا بأس أن تطوف"،
[ ١ / ٣٤٤ ]
ولكن الضرورة ما هي؟ ظن بعض الناس أن الضرورة بمعنى الحاجة، وأن المرأة لها أن تطوف إذا أراد أهلها أن ينفوا وإن كان يسهل عليها أن ترجع بعد الطهر وتطوف، ولكن هذا ليس بصحيح، هذا ظن خاطئ وهو غلط على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن شيخ الإسلام ﵀ فرض المسألة في أمر ضروري: امرأة إذا سافرت لا يمكنها أن ترجع، وحينئذ إذا قلنا بأنها غير محصرة تبقى محرمة مدى الدهر إلى أن تستطيع الرجوع إلى البيت، وإن قلنا: إنها محصرة فاتا الحج، أو العمرة، وهذا خسارة عظيمة، لاسيما النساء اللاتي يأتين من محل بعيد، وأما المرأة الحائض التي تكون في السعودية - عندنا- فيسهل عليها أن تبقى مع محرمها، أو أن تذهب على إحرامها، فإذا طهرت ادت فطافت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه لا يجوز للمرأة وهي حائض أن تعبر المسجد، وكذلك الجنب لقوله: "لا أحله لحائض ولا جنب"، ولكن قد دلت الأدلة الخرى بجواز عبور المرأة الحائض المسجد، حيث طلب النبي ﷺ من إحدى أمهات المؤمنين أن تأتي بالخمرة وهي في المسجد - أعني: الخمرة- فقالت: إنها حائض، فقال لها: "إن حيضتك ليست في يدك"، وكذلك الجنب قال الله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: ٤٣]. وعليه فيكون المراد بنفي الإحلال هو المكث، وأما المرور والعبور فلا بأس به، إلا أن العلماء - ﵏- اشترطوا في الحائض أن تأمن تلويث المسجد، فإن كانت لا تأمن بحيث ينزل الدم إلى المسجد فإنه لا يجوز لها أن تمر؛ لأن ذلك يؤدي إلى تنجيس المسجد.
فإن قال قائل: وهل يزول التحريم بالوضوء؟
نقول: أما الجنب فنعم، يزول التحريم بالوضوء، فغذا توضأ جاز له المكث في المسجد؛ لأن هذا هو عمل الصحابة - ﵃- من وجه، ومن وجه آخر هذا الوضوء يخفف الجنابة، وأما الحائض فلا؛ لأن الحائض لا يمكن أن يصح منها الوضوء؛ لماذا؟ لأن الحدث باق، ومن شروط صحة الوضوء: ارتفاع الحدث، بمعنى ألا يكون المتوضئ قد استمر به الحدث، إلا من حدث دائم فيجوز وضوءه للضرورة بالشروط المعروفة.
وعلى هذا فنقول: إذا توضأ الجنب جاز له أن يمكث في المسجد فإن انتقض وضوءه بعد ان توضأ فهل يجوز أن يمكث؟ الجواب: "نعم"؛ لأن تخفيف الجنابة حصل بالوضوء؛ ولأن الصحابة يتوضئون وينامون في المسجد، والنوم ينقض الوضوء، ولو كان نقض الوضوء يعد مانعا من المكث في المسجد للجنب لما جاز لهم أن يناموا.
[ ١ / ٣٤٥ ]