٦٩ - وعن جابر بن سمرة ﵁: "أن رجلا سأل ﷺ أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم". أخرجه مسلم.
هذا يقال فيه ما قيل فيما سبق من جهة السؤال، قال: "أتوضأ من لحوم الغنم" يعني: إذا أكلها، فقال له: "إن شئت" يعني: إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ، "أتوضأ من لحوم الإبل"، قال: نعم، يعني: أنه يجب أن تتوضأ، ووجه قولنا: يجب أن تتوضأ؛ لأنه علق الوضوء من لحم الغنم على مشيئته، وهذا يستلزم أن لا مشيئة له في أكل لحم الإبل، وأنه يجب أن يتوضأ.
أسئلة:
- اختلف العلماء - ﵏- في حديث طلق، وبسرة اللذين ظاهرهما التعارض، فسلكوا مسلك الترجيح، فهل هذا المسلك صحيح؟ لا، لماذا؟ لأنه لا يصار إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع.
- كيف يمكن الجمع؟
- حديث عائشة ذكره المؤلف وقال: إنه ضعفه أحمد فما فائدة ذكره؟ ليبين ضعفه.
- ما الفرق بين القيء والقلس؟
- هل قال أحد بأن القيء والرعاف ينقض الوضوء كثيره دون قليله؟ نعم، فقهاء الحنابلة، والراجح خلافه.
- هل المذي ينقض الوضوء؟
- نكمل حديث جابر قال: "أن رجلا سأل النبي ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم"، كلمة "رجل" مبهم لم يعين، وهل الحكم يتوقف على تعين هذا الرجل؟ لا يتوقف، وعلى هذا فلا يضر عدم معرفة الرجل المذكور بعينه؛ لأن المقصود هو الحكم، سأل النبي ﷺ: أنتوضأ من لحوم
[ ١ / ٢٦٣ ]
الغنم؟ قال: "إن شئت" يعني: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، وهذا يدل على أن من الأعمال ما يجوز فعله؛ ولكن لا يستحب، لكن إن فعله الإنسان فلا حرج عليه؛ لأن كون الرسول - ﵊- يضيف هذا الشيء للمشيئة يدل على أن الإنسان إن توضأ لم يؤجر، وإن ترك لم يأثم ولم يؤجر، قال: "إن شئت".
قال: "أتوضأ من لحوم الإبل" قال: "نعم"، "نعم" يعني: توضأ فقوله: "من لحوم"، ولحوم يشمل كل ما يحمله قدم ورجل الحيوان فإنه يسمى لحما، فيدخل فيه لحم القلب، والكبد، والكرش، والأمعاء، وكل ما شمله جلد هذه البهيمة فإنه داخل؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل، واللحم عند ذكر الحل والتحريم أو ترتيب الأحكام يشمل الجميع، قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣]. ومن المعلوم أن لحم الخنزير يشمل جميع ما أدخل جلده من لحم أحمر وأبيض وأمعاء وكرش وكبد وغير ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة منها: حرص الصحابة - ﵃- على تعلم العلم؛ ولهذا لا يدعون صغيرة ولا كبيرة يحتاجون إليها في الدين إلا سألوا عنها، ومن تتبع الأسئلة الواردة من الصحابة على النبي - ﵊- تبين له أن قول بعض الجهال: إن الصحابة - ﵃- لم يتعمقوا في العلم ولا في السؤال عنه قول باطل؛ لكنهم لم يتعمقوا تعمق المتأخرين الذين يضربون الأمثال، ويصورون الصور البعيدة الوقوع، بل الممتنعة الوقوع، الصحابة - ﵃- يأتون الأمور بظاهرها ولا يتعمقون، لكنهم موفقون للعلم الصحيح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن لحم الغنم لا يجب الوضوء منه سواء كان نيئا أو مطبوخا/ وجه الدلالة: الإطلاق أن النبي ﷺ لم يفصل، والسائل لم يستفصل، فمن أكل لحم غنم نيئا كان أو مطبوخا لم يجب عليه الوضوء. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال: "توضئوا مما مست النار"؟
قلنا: "بلى"، لكن هذا الحديث ورد ما يدل على أنه ليس بواجب، أعني: الوضوء مما مست النار لقول جابر - أظنه جابرا-: "كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار". وهذا الترك لبيان الجواز، وعليه فيكون قوله: "إن شئت" عاما للحم المطبوخ واللحم النيئ.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات المشيئة للعبد، وأن العبد له مشيئة تامة لقوله: "إن شئت"، وفي هذا رد على طائفة مبتدعة مخالفة للمعقول والمنقول والمحسوس ألا وهي الجبرية الذين
[ ١ / ٢٦٤ ]
يقولون: إن الإنسان ليس له مشيئة، وإنما يعمل اضطرارا لا اختيارا، ولما قيل لهم: إن هذا يستلزم أن يكون الله تعالى ظالما إذا عاقبه على معصية لم يردها، قالوا: إن هذا ظلم لو كان الفاعل يتصرف في غير ملكه، أما إذا كان يتصرف ف ملكه فليس بظلم، وهذا لا شك أن قول باطل؛ لأن الله - ﷾- قال عن نفسه: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقال في الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي". وفي هذا دليل على إمكانه لو شاء لظلم لكنه ﷿ لا يظلم، فدل ذلك على أن قولهم هذا باطل، وأن الإنسان له مشيئة.
ولكننا ننكر قولا آخر مضادا له ألا وهو قول القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل ب‘رادته ومشيئته؛ لأننا نعلم أن إرادة العبد ومشيئته من إرادة الله ﷿ أي: تابعة لإرادة الله وليست مستقلة، والإنسان يريد الشيء ويعزم عليه ويؤكده ويأتيه مانع من الله ﷿ إما بصرف الهمة، وإما بوجود مانع خارجي لا يستطيع معه أن يفعل، فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
وفائدة القول بأننا نقول أنها تابعة لمشيئة الله: أننا نعلم أن العبد متى شاء شيئا فقد شاءه الله ﷿، فإذا وقع تحقق دون ذلك، أما مجرد مشيئة العبد فالعبد قد يشاء، ومشيئة هذه لا شك أنها من مشيئة الله لكن قد يقع وقد لا يقع؛ لأنه قد تحصل موانع تمنع الإنسان من فعل ما أراد، وفي هذا أيضا دليل على أن الشيء يكون جائزا شرعا فلا يسمى الفاعل مبتدعا، ولكنه لا يطلب من الإنسان، الرسول - ﵊- قال له: "إن شئت".
وهذا الذي قلته أنا له دليل، بعث النبي ﷺ رجلا على سرية، فجعل يقرأ لأصحابه ويختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾، فبلغ ذلك النبي ﷺ ولم ينكر عليه. فدل ذلك على أن مثل هذا الفعل لا يسمى بدعة في دين الله ولا يأثم به الإنسان، لكن هل نقول: إنه سنة، وأنه ينبغي للإنسان إذا قرأ في الصلاة أن يختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾؟ لا نقول هذا؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولم يأمر به الأمة، غاية ما هنالك أنه أقر هذا الرجل على هذا الفعل فيكون مباحا.
وكذلك سعد بن عبادة سأله أيتصدق ببستانه ونخله على أمه بعد موتنها؟ قال: "نعم".
لكن هل نقول: إن هذا سنة؟ لا؛ ولهذا لما ذكر النبي - ﵊- بر الوالدين بعد موتهما ما ذكر الصدقة؛ ذكر الدعاء والاستغفار، وإكرام الصديق، وصلة الرحم، ولم يذكر الصدقة، ولو كانت الصدقة عن الأموات مشروعة بمعنى أنها مطلوبة من المكلف لثبت ذلك بالسنة القولية أو الفعلية، لكن لا نقول لمن تصدق عن والديه: إنك مبتدع، بل نقول: هذا شيء
[ ١ / ٢٦٥ ]
أقره النبي ﷺ فلا بأس به، ففرق بين أن نقول: هذا سنة مشروع للأمة أن تقوم به، وبين أن نقول: إن هذا لو فعله فاعل فهو جاهل، إذن نأخذ من هذا الحديث، ومن أحاديث أخرى ما قررناه الآن.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء من لحم الإبل، لقوله: "نعم".
فإن قال قائل: إن قول الرسول - ﵊-: "نعم" تعطي الرخصة من وضوء الإبل؛ لأن الرجل سأل أنتوضأ، قال: "نعم"؛ يعني: ليس فيه مانع، هذا مقتضى اللفظ لو قدرناه من منفصل عن الأول أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم" يعني: ليس فيه مانع، لكن إذا قارنا قول: "نعم" بقوله في لحم الغنم: "إن شئت" دل ذلك على أن المعنى أنه ليس راجعا إلى مشيئتك، بل يجب أن تتوضأ وهو كذلك، ويؤيده أمر النبي ﷺ بالوضوء من لحم الإبل، فقد أمر بالوضوء من لحم الإبل. فإذا اجتمع هذا وهذا علمنا أنه - أي: لحم الإبل- ناقض للوضوء، وأن من أكل وجب عليه الوضوء، يبقى لنا رأي هل هذا يشمل النيئ والمطبوخ؟ الجواب: نعم.
فإذا قال قائل: هاذ الحديث منسوخ بحديث جابر: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار"؟
قلنا: سبحان الله! النسخ لا يمكن أن يقام إلا بشرطين: العلم بالتاريخ، وتعذر الجمع، وهنا لا علم لنا بالتاريخ، ولا يتعذر الجمع؛ لأن الأول ترك الوضوء مما مست النار ناسخ لقوله: "توضئوا مما مست النار". هذا هو الذي يقابل هذا، وكلمة "مست النار" يشمل اللهم لحم الإبل، والغنم، والبقر، والطيور، بل والخبز، لكن الله خفف - والحمد لله- على الأمة، ونسخ هذا، أما أن ينسخ شيئا خاصا فهذا ليس بصواب، فالحديث محكم ثابت.
فإن قال قائل: اللحم هل يشمل اللحم الأحمر، والأبيض، والأسود كالكبد وغير ذلك؟
فالجواب: نعم.
فإذا قال قائل: هذا خلاف العرف؛ لأنك لو قلت للخادم: خذ هذا اشتر به لحما، وأتى إليك بمصران امتثل أو لا يمتثل؟ لا يمتثل، إذن المصران لا يتصف باللحم، لو أتى إليك بكبد لم يمتثل.
فيقال: الحقائق الشرعية ليست هي الحقائق العرفية، الشاة عندنا في العرف؟ الأنثى من الضأن، وفي الشرع: تشمل الأنثى من الضأن والمعز، والذكر من الضأن والمعز، ففرق بين الحقائق الشرعية والعرفية، والشارع يحمل كلامه على الحقائق الشرعية؛ لأنه يتكلم بلسان
[ ١ / ٢٦٦ ]
الشارع فيكون شاملا، ثم نقول: هل تقولون إن لحم الخنزير في قوله: ﴿ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣].
خاص باللحم الأحمر؟ فسيقولون: لا، عام، وهذا أيضا مثله عام ولا فق.
ثالثا: نقول لا يوجد في الشريعة الإسلامية حيوان تتبعض أحكامه بحسب أجزائه أبدا، هذا يوجد في الشريعة اليهودية، حرم الله - ﷾- بعض أجزاء الحيوان لظلمهم ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا﴾ [النساء: ١٦٠]. وبين ذلك في قوله: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر﴾ [الأنعام: ١٤٦]. هذه واضحة، حرم كل الحيوان، ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم﴾ [الأنعام: ١٤٦]. فهذا حيوان واحد اختلفت أحكامه بحسب أجزائه، لكن في الشريعة الإسلامية لا يمكن، فلو قلنا بما قال به بعض العلماء - ﵏- انه لا ينقض من لحم الإبل إلا اللحم الأحمر؛ لزم من ذلك تبعض الأحكام في حيوان واحد، فهذا إذا أكل من الكبد نقول: صل بلا وضوء ما دمت على وضوئك الأول، والثاني الذي أكل من اللحم الأحمر نقول: توضأ وهو حيوان يسقى بماء واحد ويتغذى بغذاء واحد فلا فرق.
فإن قال قائل: يلزم على قياسكم هذا على لحم الخنزير أن توجبوا الوضوء من المرق ومن اللبن.
فالجواب: التزم بهذا بعض العلماء وقال: يجب الوضوء من مرق لحم الإبل، ومن ألبان الإبل، وهذا اللزوم يدفع الاعتراض الذي اعترض به من منع قياس لحم الخنزير، لكن نقول: إنه قد دل الدليل على أن الوضوء من ألبان الإبل ليس بواجب في قصة العرنيين الذين اجتووا المدينة وأصابهم مرض فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يقل: توضئوا مع أالمقام يقتضي أن يقوله لو كان الوضوء واجبا؛ إذ إنهم قوم جهال بالشريعة يحتاجون إلى بيان فهذا هو الذي منعنا أن نوجب الوضوء من ألبان الإبل، والمرق من باب أولى لا يجب.
فلو قال قائل: إذا أكل شيئا يسيرا كرأس العصفور يتوضأ أو لا؟ نعم يتوضأ، هل يمكن أن نقول: إذا أكل ما يفطر به الصائم توضأ، يعني: ولو يسيرا، يعني: ولو كان خلال الأسنان؟
الجواب: هذا هو الظاهر ما دام أكل شيئا له جرم يصل إلى المعدة فإنه يجب عليه أن يتوضأ.
فإن قال قائل: فهمنا الحكم وسلمنا ورضينا، وقلنا: لله تعالى أن يحكم بما شاء، فهل تلحقون بلحم الإبل لحم البقر؛ لأن كلا منهما يجزئ عن سبع شياه؟
[ ١ / ٢٦٧ ]
فالجواب: لا، لا نلحقه به؛ لأن هذا حكم خاص في الإبل، فلا نلحق البقر بذلك.
هل تلحقون بذلك اللحم الحرام كما لو اضطر الإنسان إلى أكل لحم خنزير فأكل؟
الجواب: لا؛ لأنه ليست العلة نجاسة لحم الإبل حتى نلحق هذا بهذا، فإن قال قائل: ما العلة إذن؟ نقول: عندنا علة لا لأحد ينكرها وهي أن هذا حكم رسول الله - ﵊- هو العلة وهو الحكمة؛ ولهذا استدلت عائشة ﵂ بهذا الدليل نفسه حين سألتها المرأة نقضي الصوم، ولا نقضي الصلاة، قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
إذن الحكم وهو وجوب الوضوء من لحم الإبل يعتبر من الأحكام التعبدية التي ليس للإنسان فيها إلا التسليم والانقياد بقطع النظر عن كونه يعرف أو لا يعرف مع أن بعض العلماء - ﵏- أراد أن يستنبط علة هي في الحقيقة عميقة فقال: إنه ثبت أن الإبل خلقت من الشياطين؛ يعني: أن طبيعتها الشيطنة وليس المعنى: أن الشيطان أب لها أو أم لها كقوله: ﴿خلق الإنسن من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. المعنى: أن طبيعته العجلة هذا ايضا مثله خلقت الإبل من الشياطين؛ يعني: أن طبيعتها الشيطنة، وصاحبها يكون عنده الفخر والخيلاء كما قال النبي - ﵊-: "الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل". هذه الطبيعة التي فيها قد توجب للإنسان أن يكتسب من هذا الفخر والعلو والزهو، والماء يبرد الجسم ويخفف الحرارة ولهذا أمر الإنسان إذا غضب أن يتوضأ لإطفاء حرارة الغضب، فإن كانت العلة هذه فهذه العلة تعتبر كسبا، وإن لم تكن إياها فالعلة أمر النبي ﷺ.
أسئلة:
- في الحديث ما يدل على وجوب الوضوء من لحم الإبل فما هو؟ تخيير النبي ﷺ له في الغنم يدل على النقض في الإبل.
[ ١ / ٢٦٨ ]
- قررنا أيضا لحم الإبل يشمل جميع ما في جلدها؟ لأن اللحم إذا أطلق يشمل جميع افي البهيمة.
- أوردنا على هذا أنه إذا كان ذلك لزم أن يكون مرقه ناقضا للوضوء، فما الجواب؟ لم يأمر العرنيين بالوضوء من لبن الإبل فكيف بالمرق والأفضل الوضوء.
- هل يشمل اللحم النيئ والمطبوخ؟ نعم. كيف عرفت؟ من العموم.
- لو قال قائل: هاذ الحديث منسوخ بحديث جابر فما الجواب؟ لابد من شروط النسخ.