٧١ - وعن عبد الله بن أبي بكر ﵀: "أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم:
ألا يمس القرآن إلا طاهر". رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول.
ظاهر العبارة الموجودة عندي - والظاهر أن هذا خطأ من الطابع-: عن عبد الله بن أبي بكر ﵁، ظاهره أن هذا أبي بكر الصديق وليس كذلك، بل هذا عبد الله بن أبي بكر بم محمد بن عمرو بن حزم، وليس أبا بكر الصديق.
عمرو بن حزم: هو جد أبي عبد الله بن أبي بكر، وهذا هو وجه الصلة في كونه نقل الكتاب المكتوب لعمرو بن حزم. قال: "أن الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر"، قوله: "في الكتاب ألا يمسه" يفهم من هذا التعبير أن في الكتاب أشياء غير هذا؛ لأن قوله: "في الكتاب ألا يمس" إذن هناك مسائل أخرى في هذا الكتاب وهو كذلك فيه مسائل كثيرة، وقد ذكره صاحب الإلمام بكماله تاما، فيه مسائل كثيرة في الديات، وفي الزكاة وفي غيرها؛ ولهذا نقل هذا الحديث بالتواتر، واشتهر بين العلماء وقبلوه وفرعوا عليه مسائل كثيرة.
"ألا يمس القرآن إلا طاهر" المراد بالقرآن هنا: ما كتب في القرآن، يعني: المصحف، اللوح، الأوراق، الأحجار؛ لأنه ليس المراد بالقرآن الذي هو كلام؛ إذ إلا الكلام لا يمس ولكنه يسمع، والمراد: ما كتب فيه القرآن من أوراق وأحجار وغير ذلك.
[ ١ / ٢٧١ ]
"إلا طاهر" كلمة "طاهر" قال بعض أهل العلم: أي: إلا مؤمنا، واستدل لهذا بقول النبي ﷺ: "إن المؤمن لا ينجس". وإذا كان لا ينجس لزم أن يكون طاهرا؛ لأن النجاسة والطهارة شيئان متقابلان، وقال بعض العلماء: "إلا طاهر" أي: إلا متوضئ، يعني: طاهرا من الحدث الأصغر والأكبر، واستدلوا بقول الله - ﵎- لما ذكر الوضوء والغسل والتيمم قال: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة: ٦]. فسمى الله الوضوء والغسل والتيمم لمن لم يستطع جعله تطهيرا، وقال تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرهن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وردوا على الآخرين فقالوا: إنه لم يعرف في القرآن ولا في السنة أن يعبر عن المؤمن بالطاهر، وإنما الطاهر وصف وليس يعبر به عنه، وفتش هل يوجد في القرآن والسنة التعبير عن المتقين والمؤمنين بالطاهرين؟ لا يوجد لكن وصف المؤمن أنه لا ينجس، فإذا كان كذلك فإنه يبعد جدا أن يراد بالطاهر هنا المؤمن.
"رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول" المحدثون اختلفوا في وصله وإرساله، لكن شهرة هذا الكتاب وتلقي العلماء له بالقبول وتفريعهم عليه يدل على أن له أصلا صحيحا، وهو كذلك وهذا مما ذكره العلماء في المصطلح مما يتقوى به المرسل إذا تلقي بالقبول فإن نقله بين الناس واشتهاره بينهم يدل على أنه صحيح، وهو كذلك هو صحيح، في هذا الحديث دليل على أن تبليغ الرسالة والشريعة يكون باللفظ المسموع وبالكتاب المقروء، وجه الدلالة: أن هذه طريقة النبي ﷺ تارة يبلغ الرسالة بالقول وتارة بالكتابة.
ومن فوائده: عظمة القرآن، وأنه يجب أن ينزه عن النجس سواء قلنا: إنه من كان محدثا، أو قلنا: إنه من كان كافرا.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء لمس المصحف؛ لقوله: "لا يمس القرآن إلا طاهر" هذا ما رجحناه أخيرا، وإن كنا بالأول نميل أن المراد بالطاهر: المؤمن، لكن بعد التأمل تبين لي أن المراد بالطاهر: الطاهر من الحدث الأصغر والأكبر.
وهل المراد "ألا يمس القرآن" يعني: القرآن الذي في الأوراق؛ بمعنى: لا يضع يده عليه، أي: على المكتوب دون ما كان من حواشيه وجوانبه؟
الجواب: لا، المراد ألا يمس الذي كتب فيه القرآن كله، وعليه فإذا كتب القرآن بوسط الصفحة فجوانبها تمس؛ أي: لا يمسها المحدث، وإذا كان على المصحف جلدة مقواة فإنه يمسها إن كانت لاصقة به، أما إذا كانت وعاء ينفصل فإنه لا بأس أن يمسها من ليس بمتوضئ.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ومن فوائد هذا الحديث: أن المصحف لا يمسه إلا طاهر سواء كان صغيرا أو كبيرا؛ يعني: فالصغير الذي بلغ ست التمييز لا يمس القرآن إلا إذا تطهر، وقال بعض العلماء: إنه يرخص للصغار في مسه عند الحاجة، فإن الصغار يعطون شيئا من القرآن، إما في اللوح، وإما بأوراق خاصة كأجزاء جزء "عم"، جزء "تبارك"، ويشق أن نلزمهم بالوضوء، ولا شك أنه إذا كان هناك مشقة فإنه لا ينبغي إلزامه؛ لأن من دون البلوغ قد رفع عنه القلم، لكن يؤمرون ولا يلزمون.
فإن قال قائل: ما تقولون فيمن استدل لهذا بقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩].
قلنا: لا دليل في الآية، يتبين هذا بتلاوتها ﴿إنه لقرءان كريم في كتب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾ فالضمير هنا يعود إلى أقرب مذكور وهو "الكتاب المكنون"، وإن كان القول بأنه يعود إلى القرآن من حيث إن السياق في القرآن والحكم على القرآن، لكن يضعفه قوله: ﴿إلا المطهرون﴾ وهي اسم مفعول، ولو كان المراد: إلا من تطهر؛ لقال: (إلا المطهرون) أي: المتطهرون، فالآية ليس فيها دليل على ذلك، لكن بعض العلماء استنبط وقال: إنه إذا كان لا يمس الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، فكذلك أيضا المصحف الذي فيه القرآن الكريم، ولكننا لسنا بحاجة إلى هذا الاستنباط الذي قد يبدو بعيدا؛ إذ إن لدينا لفظ الحديث.
٧٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه". رواه مسلم، وعلقه البخاري.
قولها: "كان رسول الله ﷺ يذكر" ذكر العلماء في أصول الفقه أن "كان" إذا كان خبرها مضارعا فإنها تدل على الدوام غالبا، وليس دائما، كان يفعل يعني: باستمرار، وهذا على الغالب وليس على الدائم، والدليل على أنه الغالب أنه ثبت في السنة أن النبي ﷺ "كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية". وجاء في لفظ آخر: "كان يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة والمنافقين". فلو قلنا: إن "كان" تدل على الدوام دائما لكان في الحديثين تعارض وتناقض، لكن نقول: إنها تدل على الدوام غالبا لا دائما.
قالت: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه" "يذكر الله" يحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا: الذكر اللفظي باللسان، وهذا هو الظاهر؛ يعني: أن يقول: "لا إله إلا الله"، ويحتمل أن يكون عاما لذكر القلب، والجوارح، واللسان؛ لأن الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان،
[ ١ / ٢٧٣ ]
ويكون بالجوارح، الذكر بالقلب هو تذكر الله ﷿ وعظمته ورجاؤه وخوفه، وخشيته، ومحبته، وتعظيمه، وما أشبه ذلك، هذا ذكر الله بالقلب، وذكر الله باللسان: التسبيح، والتكبير، والتهليل، وما أشبه ذلك، وهو بالمعنى العام يشمل كل قول يقرب إلى الله ﷿ وذكر الله بالجوارح الركوع، والسجود، والقيام، والقعود في الصلاة، والمشي بالدعوة إلى الله وغير ذلك، فالذكر إذن متعلق بالقلب واللسان والجوارح.
والذي يظهر من حديث عائشة ما يتعلق باللسان؛ أي: أن الرسول - ﵊- يذكر الله دائما، وقولها: "على كل أحيانه" يعني: على كل حين يمر به، وهو بمعنى قول القائل: على كل أحواله، يعني: قائما، وقاعدا، وعلى جنبه، كما قال الله ٠ ﵎-: ﴿الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١].
هذا الحديث أتى به المؤلف ﵀ في باب نواقض الوضوء ليفيد أنه لا يشترط لذكر الله أن يكون الإنسان على طهارة؛ لأن الرسول ﷺ يذكر الله على كل أحواله، فأما قول النبي ﷺ للرجل الذي سلم عليه ولم يرد ﵇ حتى تيمم، ثم رد ﵇، وقال: "إني أحببت ألا أذكر الله إلا على طهر". فهذا من باب الاستحباب، وليس من باب الواجب؛ بمعنى: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يذكر الله أن يكون على طهر، ولكن لو ذكر الله على طهر فلا إثم عليه ولا حرج علي.
يستفاد من هذا الحديث فوائد:
منها: معرفة عائشة ﵂ بأحوال النبي ﷺ، ويتفرع على هذه الفائدة: أن ما روته عن الرسول - ﵊- وعارض ما رواه غيرها فإن روايتها تقدم؛ يعني: أن روايتها مرجحة؛ لأنها من أعلم الناس بحال النبي ﷺ.
ومنها: فضيلة إدامة ذكر الله والاستمرار فيه؛ لقولها: "يذكر الله على كل أحيانه"، ولا شك أن ذكر الله حياة للقلب بمنزلة الماء تسقى به الثمار، لكن بشرط أن يكون الذاكر ذاكر لله تعالى بلسانه وقلبه.
ومنها: أنه لا يشترط للذكر أن يكون [الإنسان] على طهارة لقولها: "يذكر الله على كل أحيانه".
فإن قال قائل: هل يشمل ذلك ما إذا كان الإنسان على جنابة؟
فالجواب: نعم، يشمل هذا؛ فيجوز للجنب أن يذكر الله بالتسبيح، والتكبير، والتهليل، وقراءة الأحاديث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى من الأقوال إلا ذكرا واحدا وهو القرآن، فالصحيح أنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وإن كانت
[ ١ / ٢٧٤ ]
المسألة فيها خلاف، لكن الصحيح أنه لا يجوز له قراءة القرآن؛ لأن النبي ﷺ "كان لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة". كلمة "لا يحجزه" يعني: لا يمنعه، ولأنه كان يقرئ أصحابه القرآن ما لم يكن جنبا. وهذا يدل على أنه ممنوع أن يقرأ القرآن وهو على جنابة؛ لأن النبي ﷺ يجب عليه البلاغ، ومن البلاغ أن يعلم القرآن، فإذا كان يمتنع من ذلك إذا كان على جنابة، دل هذا على أنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن؛ لأنه لا يعارض واجب إلا بشيء واجب تركه، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، أن الذي عليه جنابة لا يقرأ القرآن حتى وإن توضأ، بخلاف المكث في المسجد فيجوز للجنب أن يتوضأ، وأما قراءة القرآن فلا يجوز حتى يغتسل.
بقي علينا يقول: "رواه مسلم، وعلقه البخاري" يقول العلماء: إن الحديث المعلق: ما حذف أول إسناده تشبيها له بالمعلق بالسقف الذي لا يتصل بالأرض، فالحديث المعلق هو الذي حذف أول إسناده، ويطلق - أي: المعلق - على ما حذف جميع إسناده، فإذا قال البخاري مثلا: وقالت عائشة: كان النبي ﷺ، ماذا نسميه؟ معلقا، وإذا قال البخاري عن شيخ شيخه: قال فلان وساق السند نسميه أيضا معلقا، والمعلق من قسم الضعيف وذلك لعدم اتصال السند، إلا إذا كان المعلق التزم مؤلفه ألا يعلق ما صح عنده، فإننا نقول: إن هذا المعلق صحيح لكن ليس صحيحا على الإطلاق، بل هو صحيح عند معلقه، ثم إن كان من الأئمة المشهورين فإن تصحيحه معتبر وإلا فلا.