٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه. وقال أحمد: "لا يصح في هذا الباب شيء.
سبق أنا أوردنا على المؤلف ﵀ أنه يورد الأحاديث الضعيفة، وبينا الجواب على هذا؛ لأن هذا الحديث قد يحتج به المحتج فيبين المؤلف أنه لا حجة فيه لضعفه.
يقول - ﵊- إن صح عند هذا الحديث: "من غسل ميتا فليغتسل" تغسيل الميت معلوم لنا جميعا أنه فرض كفاية لأمر النبي ﷺ به في حديث الذي وقصته ناقته، فقال: "اغسلوه بماء وسدر". ولأمر النبي ﷺ النساء اللاتي كن يغسلن ابنته قال: "اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك". وهل هو عن حدث، قيل بذلك إنه عن حدث، وبناء عليه إذا تعذر غسله يمم، وقيل: للتطهير بدليل قوله: "إن رأيتن ذلك" وعلى هذا القول إذا تعذر تغسيله لكونه محترقا، أو لعدم وجود الماء فإنه لا ييمم؛ لأن الحكمة قد فاتت، ولكن نقول: لا يضر أن ييمم إذا تعذر الغسل.
وقوله: "ميتا" يشمل الصغير والكبير حتى ولو كان طفلا فغسله ثبت في حقه هذا الحكم، وقوله: "فليغتسل" الفاء هنا رابطة للجواب، جواب "من" واللام للأمر "فليغتسل". والاغتسال
[ ١ / ٢٦٩ ]
معروف وهو - أعني: الاغتسال- أن يعم بدنه بالماء، ومنه المضمضة والاستنشاق؛ لأن الأنف والفم من الوجه.
"ومن حمله فليتوضأ" "من حمله" قيل: من أراد حمله، وأطلق الفعل على الإرادة؛ لأن ذلك مستعمل في اللغة العربية كثيرا مثل قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة﴾ [المائدة: ٦]. يعني: إذا أردتم القيام إليها، وكحديث أنس: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث". وهذا كثير، فقيل: "من حمله" أي: من أراد حمله "فليتوضأ"، وذلك من أجل أن يكون متهيئا للصلاة عليه، وقيل: من حمله فعلا فليتوضأ، وحمل الوضوء على هذا الوجه حمل الوضوء على الوضوء اللغوي وهو النظافة، وأيضا "فليتوضأ" أي: فلينظف يده لمباشرتها لحمل الميت لكن هذا فيه نظر؛ لأن يديه وإن حملت الميت وباشرت الميت طاهرة لا تحتاج إلى أن تغسل الأيدي منها.
"أخرجه أحمد والنسائي، والترمذي، وحسنه، وقال أحد: لا يصح في هذا الباب" يعني: باب الوضوء، أو في هذه المسألة؟ الثاني هو المراد؛ يعني: لا يصح في هذه المسألة شيء، وإذا كان لا يصح بطل العمل به؛ لأنه من شرط العمل بالحديث أن يكون صحيحا أو حسنا، وإذا لم يكن صحيحا ولا حسنا فلا يعمل به.
أما فوائد هذا الحديث: ففيه وجوب الاغتسال على من غسل ميتا صغيرا كان أو كبيرا؛ لظاهر الأمر لقوله: "فليغتسل"، لكن نقل بعضهم الإجماع على أنه لا قائل بالوجوب، يعني: على أن العلماء أجمعوا أنه ليس بواجب الاغتسال من تغسيل الميت، وعلى هذا فيكون مستحبا وليس بواجب، لكن هل نقول هذا على تقدير صحة الحديث، أو نقول كما ذهب إليه صاحب النكت أن الحديث إذا كان ليس بحجة - يعني: ضعيف- ما يصل إلى درجة الاحتجاج فإنه يحمل الأمر فيه على الاحتياط والاستحباب، وإذا كان نهيا حمل على الكراهة احتياطا لاحتمال أن يكون حجة.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية تغسيل الأموات لقوله: "من غسل ميتا فليغتسل"، وجه المشروعية: أنه رتب على هذا الاغتسال حكما وشرعيا، ولو كان الاغتسال غير مشروع لم يترتب عليه شيء.
ولكن من يباشر تغسيل الميت؟ الرجل يباشر تغسيل الرجال، والمرأة تباشر تغسيل النساء، إلا الزوجين فإنهما لا بأس أن يغسل أحدهما الأخر، وكذلك الرجل مع سيرته لعموم قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حفظون إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم﴾ [المؤمنون: ٥، ٦].
[ ١ / ٢٧٠ ]
وذكر العلماء أن من دون السبع لا حكم لعورته فيغسله الرجال والنساء سواء كان ذكرا أو أنثى.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان الاستعداد لفعل العبادة، قبل أن يباشرها على تقدير الذي ذكرنا في قوله: "ومن حمله فليتوضأ".
ومن فوائده: وجوب الوضوء للصلاة على الميت على التقدير الذي ذكرنا أن من حمله - أي: أراد حمله ليصلي عليه فليتوضأ- ولا شك أن الصلاة على الميت لا تصح إلا بوضوء لقوله النبي ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وعموم قوله: "لا صلاة بغير طهور".