٦٤ - وعن عائشة ﵁: "أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ". أخرجه أحمد، وضعفه البخاري.
عائشة هي إحدى أمهات المؤمنين - ﵅- وهي التي تزوجها النبي ﷺ بكرا، وهي أحب النساء إليه كما سئل من أحب النساء إليك؟ قال: "عائشة". وهي ﵂ ذكرت هنا أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه فمن هذا البعض؟ لعله هي لكن كنت عن ذلك بالبعض حياء أو غير ذلك من الأسباب، وقولها: "نسائه" يعني: زوجاته كما قال الله تعالى: ﴿ينساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن﴾ [الأحزاب: ٣٢].
"ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ"، ومن المعلوم تقبيل الإنسان لامرأته لاسيما إذا
[ ١ / ٢٥٣ ]
كان يحبها أن يكون لشهوة، "ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ"، أخرجه أحمد، لكن ضعفه البخاري ﵀، ولكن المؤلف ﵀ أتى بهذا الحديث ليسدل به على أن مس المرأة وتقبيل المرأة لا ينقض الوضوء، والحقيقة أنه لا حاجة لأن تأتي بدليل على ذلك؛ لأن الأصل عدم النقض، فلا حاجة إلى أن نأتي بدليل على أنه لا ينقض إذ إن من ادعى أن مس المرأة لشهوة، أو لتقبيل أو غير ذلك ينقض الوضوء فعليه الدليل؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا القول - أعني: كون مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء- هو القول الراجح الذي لا تدل الأدلة على غيره، وقال بعض العلماء: إن مس المرأة مطلقا ينقض الوضوء، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وتوسط بعض العلماء فقال: إن كان لشهوة نقض الوضوء، وإن كان لغير شهوة لم ينقض الوضوء، وأظن أن هناك قولا بأنه إن مس من تحل له فإنه لا ينتقض وضوؤه، وإن مس من تحرم عليه فإنه ينتقض وضوؤه، ولعل هذا القول راعى قائله أن مس من لم تحمل له محرم فينبغي أن يتوضأ؛ لأن الوضوء إذا كان كما توضأ النبي ﷺ فإن الإنسان يغفر له ما تقدم من ذنبه.
فإذا قال قائل: ما دليل من قال: لا ينقض الوضوء؟
فالجواب: أن دليله عدم الدليل؛ لأن الأصل بقاء الوضوء حيث تم على وجه شرعي، فلا يمكن أن ينقض إلا بدليل شرعي، وحينئذ يكون دليل هؤلاء هو الأصل أي البقاء على الأصل، وعدم الدليل على النقل، أما دليل من قال: إنه ينقض الوضوء مطلقا فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]. وفي قراءة: ﴿أو لمستم النساء﴾، والأصل أن اللمس يكون باليد والآية ليس فيها قيد أن يكون بشهوة فتكون دالة على أن مس المرأة مطلقا ينقض الوضوء، وأما من قال: إنه لا ينقض إلا بشهوة فاستدل بالآية إلا أنه قال: إن حمل الآية على معنى مناسب للنقض أولى من الإطلاق، والمعنى المناسب للنقض هو الشهوة؛ لأن مسها بشهوة مظنة حصول الحدث، إما إنزال أو إمذاء، فعلق الحكم بما يكون فيه مظنة الحدث وهو الشهوة، ولكن القول الصحيح كما أقوله الآن: إنه لا ينقض الوضوء مطلقا، ولو بشهوة ما لم يحدث بشيء يخرج منه، وأما الجواب عن الآية الكريمة: فإن الملامسة فيها يراد بها الجماع بلا شك؛ وبهذا فسرها عبد الله بن عباس ﵁ ترجمان القرآن الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه التأويل ويفقهه في الدين. ويدل على أن هذا
[ ١ / ٢٥٤ ]
هو المتعين التقسيم الذي في الآية، فالله ﷿ ذكر طهارتين موجبين للطهارة، فالطهارتان: المائية والترابية، والموجبان للطهارة: الحدث الأصغر، والحدث الأكبر.
﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ هذه طهارة مائية في الحدث الأصغر ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ هذه طهارة مائية في الحدث الأكبر ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦].
قال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ ﴿فتيمموا﴾، لكن قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾، "أو" هنا بمعنى "الواو" يعني: وجاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، جاء أحد منكم من الغائط هذا موجب للطهارة الصغرى، ﴿أو لمستم النساء﴾ هذا موجب للطهارة الكبرى، لو قلنا: "لامستم النساء"، يعني: انتقض الوضوء بمس المرأة لكان الذي ذكر في الآية موجبا واحدا مكررا، وحذف منها موجب آخر لابد من ذكره حتى تكون الآية دالة على الحدث الأصغر والأكبر، ثم نقول: والدليل الآخر أن الله تعالى يعبر عن الجماع بالمس كقوله - ﵎-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]. أي: تجامعوهن؛ فتبين بهذا أن المراد بالملامسة الجماع، ذكرنا أن قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ بمعنى: وجاء فهل هناك شاهد بأن "أو" تأتي بمعنى "الواو"؟
الجواب: نعم، ومنه قول النبي ﷺ: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك".
فقوله: "سميت به نفسك، أو أنزلته" بمعنى: وأنزلته في كتابك؛ لأن ما سمى الله به نفسه إما أن يكون نازلا في الكتاب، أو علمه الله أحدا من خلقه عن طريق الوحي، فثبت بالسنة، أو استأثر به في علم الغيب عنده. فتبين أن "أو" تأتي بمعنى الواو في اللغة العربية، وعليه فنقول: إذا قبل الرجل امرأته وهو على وضوء لشهوة ولو مع انتصاب ذكره، فإنه لا ينتقض وضوؤه ما لم يحدث بمذي أو غيره فينقض بالحدث، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
[ ١ / ٢٥٥ ]