٦١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ - على عهده- ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون". أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم.
"كان أصحاب رسول الله ﷺ" من خصائص النبي ﷺ أن الرجل يكون من أصحابه وإن لم يلازمه، بل لو اجتمع به مرة واحدة مؤمنا به فهو من أصحابه وغيره لا يكون الصاحب إلا مع الملازمة، إذن أصحاب النبي المراد بهم من اجتمع به مؤمنا به ومات على ذلك، وسواء كان مؤمنا به حقيقة، أو حكما.
الحقيقة: أن يكون بالغا عاقلا، أو مميزا يؤمن بالرسول - ﵊-.
والحكم: أن يكون طفلا لا يعقل كمحمد بن أبي بكر ﵄ فإن ولد في حجة الوداع وهو صحابي لكنه مجتمع به حكما.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وقوله: "ينتظرون العشاء" يعني: العشاء الآخرة، واعلم أن الأعراب يسمون العشاء "العتمة" فنهى النبي ﷺ عن ذلك؛ وقال: "لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء العتمة، فإنها في كتاب الله العشاء". هذا الحديث أو معناه المهم أنه لا ينبغي أن تسمى العتمة بل تسمى العشاء، كما سماها الله ﷿، "حتى تخفق رءوسهم" أي: تنزل من النعاس، "ثم يصلون ولا يوضئون". "وأخرجه أبو داود وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم". في هذا الحديث دليل على فائدة مهمة وهي: أن ما فعله الصحابة في عهد النبي ﷺ هو حجة، سواء علمنا أنه اطلع عليه أم لم نعلم، فإن علمنا أنه اطلع عليه فواضح أنه حجة، وجه وضوحه: إقرار النبي ﷺ على ذلك، وإن لم نعلم أنه اطلع عليه فقد اطلع عليه الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وسكوت الله عنه دليل على أنه رضيه؛ لأنه لو فعل أحد شيئا على وجه الاختفاء والله تعالى لا يرضاه بينه الله، كما قال تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا [النساء: ١٠٨].
فدل هذا على أن ما فعل في عهد الرسول - ﵊- أو قيل في عهده هو حجة، سواء علمنا أن النبي ﷺ اطلع عليه أم لم نعلم، وهذه فائدة مهمة من أمثلتها هذا الحديث.
لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن النبي ﷺ ما اطلع عليه؟
نقول: إذا قدرنا فرضا أنه لم يطلع فقد اطلع عليه الله، ومن ذلك أن القول الراجح جواز إمامة المفترض بالمتنفل، يعني أن يكون الإنسان يصلي نفلا ووراءه من يصلي فرضا، والدليل فعل معاذ ﵁ فقد ان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة.
فإذا قال قائل: وهل علمنا أن الرسول ﷺ اطلع على ذلك؟
نقول: على تقدير أنه لم يطلع فقد اطلع عليه الله ﷿ وأقره، مع أنه يبعد أن الرسول - ﵊- لم يطلع على ذلك، وقد حصل ما حصل من تخلف الرجل عن الصلاة مع معاذ لتطويله ووعظ النبي ﷺ معاذا، المهم أن هذه القاعدة مفيدة جدا، وقد رأينا كثيرا من العلماء - ﵏- عند الجدال في مثل هذه الأمور يقول: ومن الذي أعلمنا أن الرسول - ﵊- اطلع فنقول: الحمد لله إذا لم نعلم أن الرسول اطلع فقد اطلع عليه الله؛ ولهذا إذا استخفى أحد بشيء لا يرضاه الله بينه الله ﷿.
[ ١ / ٢٣٨ ]
من فوائد هذا الحديث: أن عمل الصحابة حجة، وهذا في عهد الرسول - ﵊- لا إشكال فيه؛ لإقرار الله ورسوله عليه، لكن بعده هل يكون فعل الصحابة حجة؟
الجواب: إن أجمعوا على ذلك فهو حجة، ولا شك أن إجماعهم أمر يمكن الاطلاع عليه، والمراد بالإجماع الذي يعتبر: إجماع أهل العلم أهل الاجتهاد، وهؤلاء يمكن حصرهم في عهد الصحابة - ﵃-، فإذا كانوا قد أجمعوا على القول أو على الفعل فالأمر واضح في أنه حجة وإن انفرد به أحدهم فإن انتشر وشاع مثل أن يقول أحدهم قولا حال خطبة من الناس أو ما أشبه ذلك فهذا يقال فيه: إنه كالإجماع فيكون حجة، ومن ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حدث الناس على المنبر وذكر لهم التشهد فقال: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" كما رواه الإمام مالك في الموطأ بسند صحيح لا غبار عليه، قال ذلك في مجمع الصحابة وهو يعلم الأمة الإسلامية، هذا التشهد الذي علمه النبي ﷺ أمته؛ فبهذا تقدم هذا الأثر - عن عمر- على قول ابن مسعود ﵁، "كنا نقول السلام عليك أيها النبي وهو حي فلما مات كنا نقول: السلام على النبي". فيقال: هذا اجتهاد من ابن مسعود ﵁ لكنه في مقابلة النص، والنبي ﷺ علم أمته أن يقولوا هذا ولم يفرق بين حياته وموته، ولا بين الحاضرين معه في المسجد والغائب، وما أكثر المصلين الذين يصلون مع غير النبي ﷺ، ثم إن المصلين أنفسهم هل إذا قالوا: "السلام عليك أيها النبي" يقولونها وكأنما يقولونها إذا مروا به بحيث يتلقون منه الرد؟
الجواب: لا؛ ولهذا يقولونها سرا، والرسول لا يعلم بهذا، والأمر واضح في مثل هذه الأمور.
إذن إذا أجمعوا على القول فهو حجة، وإذا انفرد به أحد واشتهر ولم ينكر فهو حجة، وإذا قال به أحد ولم يعلم أنه انتشر فإن كان ممن نص النبي ﷺ على اتباعهم فهو حجة بالسنة لا بأنهم صحابة مثل أبي بكر وعمر فإن النبي ﷺ حث على الاقتداء بهما بأعيانهما، فقل: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".
[ ١ / ٢٣٩ ]
وقال - ﵊-: "إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا". وإذا كان هذا في قضية خاصة فإنا نقول: نقيس بقية القضايا عليها، وأن هذين الرجلين الخليفتين الراشدين أقرب إلى الصواب من غيرهما بلا شك، وإن كان من غير الخلفاء من غير من نص عليه، فإن كان من فقهاء الصحابة المعروفين بالتحري وسعة العلم فقولهم حجة، وإن كان من عامة الصحابة فقد أرى الإمام أحمد ﵀ أن قول الصحابي مقدم على القياس، وأنه حجة لكن في النفس من هذا شيء؛ لأن بعض الصحابة كرجل جاء وافدا إلى الرسول - ﵊- وتلقى منه ما تلقى من الفقه في الدين، ثم رجع إلى قومه فإذا قال قولا من غير ما أخذه من الرسول ففي النفس من هذا شيء أي أن يكون حجة على الأمة يلزمها الأخذ به.
فإذا قال قائل: لماذا جاء المؤلف بهذا الحديث؟ نقول: أتى به إشارة إلى أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء، فلنتكلم على النوم: النوم ذكر فيه الشوكاني في نيل الأوطار ثمانية أقوال للعلماء؛ لأن العلماء تنازعوا فيه بناء على اختلاف الأحاديث، واختلاف الأحاديث - والحمد لله- اختلاف لفظي، إذ يمكن الجمع بينهم، فهل النوم ناقض للوضوء؟
الجواب: فيه خلاف ثمانية أقوال: منهم من قال: إنه لا ينقض مطلقا، ومنهم من قال: إنه ينقض مطلقا، ومنهم من فصل في هذا، وهذا القول الأخير هو الصواب، الصواب التفصيل في النوم لن النوم نفسه ليس حدثا حتى نقول إنه ينتقض قليله وكثيره كالبول والغائط، وإنما النوم مظنة الحدث لحديث: "العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء". فهو مظنة الحدث، وإذا كان مظنة الحدث نظرنا إذا كان نوما مستغرقا بمعنى أن الإنسان لو أحدث لم يحس بنفسه، النوم هنا ناقض لاحتمال أن يكون أحدث ولم يشعر بنفسه، وسواء كان مضطجعا او جالسا أو راكعا أو قائما على كل حال نقول: إذا كان لو أحدث لم يحس بنفسه فإن نومه ينقض الوضوء، وأما إذا كان لو أحدث لأحس بنفسه، فإن نومه لا ينقض الوضوء حتى لو تراءى له حلم أو رؤيا، أو كان مضطجعا أو متكئا، أو ساجدا، أو راكعا ما دام يقول له أحدث لأحس فالنوم لا ينقض الوضوء، حتى لو بقي ساعة أو ساعتين ينفث وهو يعلم أنه لو أحدث لأحس فإنه لا ينتقض وضوؤه؛ لماذا؟ لأن الأصل بقاء الوضوء فلا تنقضه بالشك.
فإذا قال قائل: وإذا كان نائما ولا يحس بنفسه لو احدث فهل نتيقن أنه أحدث؟ لا، إذن
[ ١ / ٢٤٠ ]
كيف ننقض الوضوء به ونحن نقول: أن الأصل بقاء الوضوء فلا ينتقض إلا بيقين؟ نقول: لأن هذا النوم مظنة الحدث، وانضباط القضية عليه انضباط العلة غير ممكن وما كان انضباط العلة فيه غير ممكن استوى فيه ظهور العلة وعدمها هاذ وجه المسألة، وأيضا عندنا دليل: حديث صفوان بن عسال السابق يقول: "ولكن من غائط، وبول، ونوم"، فهذا حديث فنأخذ به.
لو قال قائل: إذا زال العقل بغير نوم، كما لو أغمى على الإنسان فهل ينتقض وضوؤه بالقليل والكثير؟ الجواب: نعم؛ لأن الإغماء يفقد فيه الإنسان الإحساس ولا يمكن أن يقول لو أحدث لأحس فالإغماء ينتقض به الوضوء مطلقا؛ ولهذا لو أن رجلا أغمي عليه يوما كاملا وأفاق من الإغماء فإنه لا يلزمه قضاء الصلاة، ولو نام كاملا لزمه قضاء الصلاة؛ لقول النبي ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، وأما الإغماء فلا يجب فيه قضاء الصلاة؛ لأن المغمى عليه لا يمكن أن ينتبه حتى لو نبه وأوقظ لا يمكن أن ينتبه فهو بمنزلة المجنون الذي لا يمكن أن يحس بأحد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة لقوله: "ثم يصلون" لكن الاستدلال هنا ضعيف؛ لأن القضية قضية عين يتحدث عنهم وهم ينتظرون صلاة العشاء لكن هناك أحاديث تدل على أن الوجوب لا يجب إلا للصلاة بلفظ النبي ﷺ ساقها شيخ الإسلام ﵀ في انتصاره لما ذهب إليه من أن الطواف بالبيت لا يشترط له الوضوء، وذكر أدلة إذا طالعها الإنسان تبين له أن هذا هو الحق وأن الطواف بالبيت لا يشترط له الوضوء، وبناء عليه لو أحدث الإنسان في أثناء الطواف فليستمر لو وصل إلى المسجد الحرام في الزحام الشديد وهو لم يتوضأ، نقول: طف ولا نلزمه أن يذهب مع هذه المشقة ليتوضأ، أما إذا كان الأمر ميسرا فلا شك أن الوضوء أفضل احتياطا واتباعا لأكثر العلماء، وأنه إذا انتهى من طوافه فسوف يصلي ركعتين والصلاة يجب لها الوضوء بالإجماع ثم قال: