٨٠ - وعنه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". أخرجه السبعة.
[ ١ / ٢٨٣ ]
قوله ﵁: "إذا دخل الخلاء" أي: أراد دخوله، والتعبير بالفعل عن النية الجازمة التي يكون الفعل منها قريبا شائع في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨].
أي: إذا أردت أن تقرأ بإرادة جازمة قريبة من الفعل فإنه يطلق الفعل على ذلك فيقول: "إذا دخل الخلاء" أي: إذا أراد الدخول عند دخوله، و"الخلاء" اسم للمكان الذي يتخلى فيه الإنسان، أي: يقضي حاجته، وسمي بذلك؛ لأن الإنسان يخلو به عن الناس ويستتر به عن الناس، قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" "اللهم" يقول النحويون إن أصلها: يا الله؛ ولهذا بنيت على الضم "الله"، وأن الميم عوض عن الياء المحذوفة، واختير أن تتأخر تيمنا بالبداءة بذكر اسم الله واختيرت الميم؛ لأنها أدل على الجمع من غيرها، فكأن الإنسان جمع قلبه على ربه ﷿ فسأله، هذا من حيث تصريف هذه الكلمة، أما معناها فمعناها: يالله، إني أعوذ بك، "أعوذ" أي: أعتصم بك، ويقال: عاذ بالشيء، ولاذ بالشيء، والفرق بينهما: أن العوذ مما يذكره، واللياذ مما يجب، فتقول: لذت بفلان ليقضي حاجتي، وتقول: عذت بفلان من شر فلان مثلا وفلان المستعاذ به حي يستطيع أن يدافع عنك، فصار الفرق بين اللياذ والعياذ: العياذ مما يكره، واللياذ فيما يحب، وعلى هذا قال الشاعر: [البسيط]
يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره
"أعوذ بك من الخبث والخبائث" هذا المستعاذ منه وفيها وجهان:
الوجه الأول: الخبث. والوجه الثاني: الخبث، أما: الخبائث" فهي وجه واحد، فعلى وجه التسكين يكون المراد بالخبث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، وعلى وجه الضم الخبث تكون جمع خبيث، ويكون المراد بالخبث: ذكران الشياطين، وبالخبائث: إناث الشياطين، وإذا قارنا بين الوجهين وجدنا أن الوجه الأول أعم وأشمل، وأن الوجه الثاني أخص بالمكان؛ وذلك لأن الخلاء موضع أو مكان الشياطين، فالمساجد بيوت الله ﷿ ومثوى الملائكة، وأما الخلاء فإنه مأوى الشياطين إذن أيهما؟ أقول: ما دام كل واحد منهما يترجح من وجه فماذا أقول؟ أختار أن نأخذ بالأعم "من الخبث والخبائث"، فإذا أردت أن تدخل الخلاء فقل: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، والمناسبة ظاهرة جدا؛ لأن الخلاء مأوى الشياطين وأهل الشر.
[ ١ / ٢٨٤ ]
ففي هذا الحديث دليل على فوائد:
منها: أن النبي ﷺ مفتقر إلى الله لا يملك لنفسه أن يدفع عنها، وجه ذلك: أنه استعاذ به؛ أي: بالله ﷿.
ومن فوائد هذا الحديث استحباب هذا الذكر عند دخول الخلاء اقتداء بالرسول ﷺ. فإذا قال قائل: وإذا كنت في البر فمتى أقوله؟ نقول: تقوله عند آخر خطوة تجلس عندها إذا أردت الجلوس "اللم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات علم الله ﷿؛ لأنه لا يستعاذ بمن لا علم عنده.
ومن فوائده: إثبات قدرة الله وسلطانه - ﵎-، وأن قدرة الله وسلطانه فوق كل قدر وسلطان.
ومن فوائد هذا الحديث - لاسيما على وجه ضم الباء-: حكمة الله ﷿؛ حيث كانت الأماكن الخبيثة مأوى للنفوس الخبيثة الشريرة، وهذا من الحكمة المساجد طيبة أحب البقاع إلى الله مأوى من؟ الملائكة الكرام، لكن هذه مأوى الشياطين، أعني: بيوت الخلاء، ففي هذا من الحكمة ما هو ظاهر، ويصدق هذا قول الله - ﵎-: ﴿الخبيثت للخبيثين والخبليثون للخبيثت﴾ [النور: ٢٦]. وهذا وإن كان في البشر لكن المعنى عام، وانظر الآن إلى الكفار كيف يألفون أخبث الحيوانات وأقذرها وأنجسها وهي الكلاب، الكلاب عندهم تستهلك نصف ما يستهلكون في تنظيف أجسادهم أوانيهم يقولون لي: إنهم كانوا ينظفونها بالصابون وبغير الصابون من المنظفات كل صباح، وهل إذا نظفوها ترتفع نجاستها؟ لا؛ لأن النجاسة عينية، والنجاسة العينية لو طهرت بمياه البحر لم تطهر، لكن سبحان الله الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات.
مسألة: لو نسي الإنسان أن يقول هذا الذكر ودخل - هذه مسألة ليس لها علاقة بالحديث- لو نسي فدخل فهل نقول: قل هذا الذكر وأنت في المرحاض، أو اخرج ثم قله ثم ادخل؟ ونظير ذلك لو انه قدم الرجل اليمنى عند دخول الخلاء والمستحب ا، يقدم اليسرى فهل نقول: امض أو نقول اخرج ثم قدم اليسرى؟ فيه احتمال، لكن قد يرجح الإنسان ألا يقول ذلك، أن لا يقول هذا الذكر؛ لأنه سنة فات محلها، وألا يخرج ويدخل، وقد يقال: إن الرسول - ﵊- قال فيمن نسي الصلاة "فليصلها إذا ذكرها". فهذا نسي أن يقدم اليسرى عند الدخول فليصحح، نسي أن يقول دعاء الذكر عند الدخول فليصحح، فالأمر واسع إن شاء فعل هذا أو تركه.
[ ١ / ٢٨٥ ]