١١١ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٣٣٩ ]
١١٢ - ولهما من حديث ميمونة ﵂: "ثم أفرغ على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض".
وفي رواية:: "فمسحها بالتراب". وفي آخره: "ثم أتيته بالمنديل فرده"، وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده".
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة" "من" هنا سببية؛ أي: إذا اغتسل غسلا سببه الجنابة، و"الجنابة" في الأصل مأخوذة من المباعدة، وهي شرعا: إنزال المني بشهوة، أو إيلاج الذكر في الفرج - يعني الجماع، أو ألإنزال بشهوة-.
قولها: "يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه"، يغسل يديه أولا؛ وذلك لأن اليدين هما آلة الغسل والتنظيف، فكان الاعتناء بهما أولا هو الأنسب.
قولها: "ثم يفرغ بيمينه على شماله" يعني: بعد أن يغسل يديه يأخذ الماء من الإناء بيمينه يفرغها على شماله، ويحتمل أن المعنى: يفرغ بيمينه على شماله أنه يصب الإناء باليمين حتى يفرغها على الشمال "فيغسل فرجه" تنظيفا له من أثر الجنابة إن لم يكن قد بال، فإن كان قد بال فهو تطهير له من أثر البول.
قولها: "ثم توضأ" يعني: يتوضأ وضوءه للصلاة، وهذا يقتضي انه يتوضأ وضوءا كاملا بتطهير الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين.
قولها: "ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر" يأخذ الماء؛ يعني: بيديه ويدخل أصابعه في أصول الشعر؛ لأن شعر النبي ﷺ كان كثيرا؛ إذ إنه لا يحلقه - ﵊- إلا في حج أو عمرة، "ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات" يعني: بعد أن أوصل الماء إلى أصول الشعر حفن على رأسه؛ يعني: بيديه ثلاث حفنات تكميلا لتطهير الرأس، وإنما شدد في تطهير الرأس من الجنابة؛ لأن الوضوء مبني على التخفيف؛ إذ إنه في أعضاء أربعة فقط بخلاف الغسل من الجنابة، ولما كان الغسل من الجنابة أوكد في التطهير صار الاعتناء بالرأس الذي فيه الشعر أولى؛ ولهذا كرر النبي ﷺ غسله ثلاث مرات، بعد ان أدخل الماء في أصول الشعر.
قولها: "ثم أفاض على سائر جسده" "أفاض" يعني: أفاض الماء على سائر الجسد، "سائر" يعني: باقي، وتكون بمعنى: "كل"؛ فإذا قلت: "أكرمت سائر الطلبة" المعنى: كلهم، وإذا قلت: "أكرمت الطلبة وسائرهم"، يعني: من جاء من بعدهم، فهذا المراد البقية، فالمراد بها هنا "سائر جسده" أي: بقية جسده، أما على كونها يراد بها الكل فهي مأخوذة من السور، سور الدار؛
[ ١ / ٣٤٠ ]
لأنه محيط بها، وأما على كونها يراد بها البعض فهي مأخوذة من السؤر وهو بقية الطعام أو الشراب، "ثم غسل رجليه" تنظيفا وتطهيرا؛ لأنه - كما تعلمون- كان الناس فيما سبق ليس عندهم هذه الحمامات النزيهة الصقيلة فتتلوث الرجل بالطين فتحتاج إلى غسلها مرة أخرى تنظيفا لها.
"ولهما" أي: البخاري، ومسلم من حديث ميمونة: "ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله".
الفائدة قوله: "وغسله بشماله"؛ حيث نصت على أن سل الفرج يكون بالشمال، "ثم ضرب بها الأرض" أي: ضرب بشماله الأرض بعد أن غسل فرجه، وفي لفظ: "أو الحائط مرتين أو ثلاثا"؛ لأن ذلك أبلغ في سرعة إزالة ما علق بها، وكان الماء قليلا يحتاج إلى أن يزاد في الغسل بالضرب على الأرض أو على الحائط ليكون أبلغ في التطهير، وفي رواية: "مسحها بالتراب"؛ وهي بمعنى ضرب بها الأرض، وفي آخره: "ثم أتيته بالمنديل فرده"، وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده" رد المنديل، يعني: لم يتمنندل به، "وجعل ينفض الماء بيده" يعني: يسلته عن جسده وينفضه.
هذا الحديث فيه بيان الغسل من الجنابة على الوجه الأكمل كما سمعتم، والواجب: هو أن يفيض الماء على سائر جسده على أي وجه كان سواء بدأ بالوضوء، أو بدأ بالرأس، أو بدأ بالجنب، أو بدأ بالأسفل، المهم أن يعم الماء جميع بدنه.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الواجب هو أن يعم الماء جميع البدن؟
قلنا: قوله - ﵎-: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. ولم يذكر الله تعالى البداءة بشيء دون آخر.
فلو قال قائل: هذا لفظ مجمل بينه فعل النبي ﷺ؟
قلنا: نعم، هذا وجيه لولا أن السنة جاءت ببيان أنه ليس بواجب، أي: هذه الصفة التي ذكرتها عائشة وهي ما ثبت في البخاري في قصة الرجل الذي اعتزل القوم ولم يصل معهم، فسأله النبي ﷺ عن ذلك، فقال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك"، ثم حضر الماء فأعطاه النبي ﷺ ماء، فقال: "خذ هذا فأفرغه على نفسك". ولم يذكر له الكيفية التي ذكرت في حديث عائشة، ولو كانت واجبة لبينها النبي ﷺ، لأن المقام يحتاج إلى البيان.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز للمرأة أن تصرح بما قد يستحيا منه لبيان الحق، لقولها: "إذا اغتسل من الجنابة"، ومعلوم أن أم المؤمنين عائشة هي إحدى زوجاته، وأنه سيكون جنبا منها ومن غيرها، ومثل هذا قد يستحيا منه، لكن إذا كان لبيان الحق فإنه لابد منه.
[ ١ / ٣٤١ ]
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يغتسل الإنسان على هذه الكيفية المذكورة.
ومن فوائده: أنه يبدأ بالوضوء قبل الغسل؛ لقوله: "ثم يتوضأ إلخ"، وهل هذا الوضوء يكفي عن الوضوء مرة ثانية بعد الاغتسال؟ الجواب: نعم، بل لو أنه أفاض الماء على سائر جسده دون أن يتوضأ كفاه عن الوضوء؛ لأن الله لم يذكر في الجنب إلا أن يتطهر، ولم يذكر الوضوء، نعم لو مس ذكره في أثناء الغسل وقلنا بوجوب الوضوء من مس الذكر مطلقا؛ فهنا نقول: حصل حدث في أثناء الغسل فيجب أنيتوضأ له أما على القول بأنه لا ينتقض الوضوء بمس الذكر إلا إذا كان لشهوة كما هو القول الراجح فإنه لا يضره إذا مس ذكره في أثناء الاغتسال.
ومن فوائد هذا الحديث: العناية بغسل الرأس في الجنابة، وأنه يجب إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، ومثل هذا لا يفعل إلا إذا كان واجبا لما في ذلك من المشقة على الإنسان في إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ ولأنه إذا كان في أيام الشتاء سيكون فيه مشقة أخرى بعد الاغتسال.
ومن فوائد هذا الحديث: تكرار غسل الرأس ثلاث مرات بعد إدخال الماء إلى أصول الشعر لقولها: "ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات".
ومن فوائده: أنه لا ينبغي تكرار الغسل في بقية البدن لقولها: "ثم أفاض على سائر جسده"، ولم تذكر التثليث، وهذا هو القول الراجح، وقال بعض أهل العلم: بل يسن التثليث قياسا على الوضوء، والصواب عدم ذلك؛ يعني: عدم صحة ذلك القياس، وأنه يكتفي بغسله مرة واحدو.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط الدلك وهو كذلك، لأنه لم يذكر في الحديث أن الرسول كان يدلك بدنه، لكن إذا خاف الإنسان ألا يعم الماء بدنه فينبغي أن يمر يده حتى يتيقن، لاسيما إذا كان قد ابطأ في غسل البدن فإنه يكون فيه شيء من الدهن ربما يزيل الماء عن بعض البدن فيحتاج أن يمسحه بيده حتى يتأكد من وصول الماء إلى سائر جسده.
ومن فوائده: مشروعية غسل الرجلين بعد انتهاء الغسل، ولكن هذا مقيد بما إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه لم يذكر في رواية البخاري أنه غسل رجليه بعد الغسل، فالظاهر - والله أعلم-: أن هذا فيما إذا احتيج إليه، وأن الرسول يغسلها أحيانا ولا يغسلها أحيانا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الفرج يغسل بالشمال، سواء كان ذلك عن استنجاء أو عن جنابة، أو غير ذلك، ويؤيد هذا أن النبي ﷺ قال: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا كان الماء قليلا فينبغي للإنسان أن يستعمل ما يساعد على
[ ١ / ٣٤٢ ]
التنظيف بسرعة كالضرب باليد على الحائط، أو على الأرض كما جاء ذلك في حديث ميمونة ﵂.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التمسح بالمنديل؛ وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم ينه عنه، وإنما ردها لاحتمال أن تكون المنديل فيه شيء من الوسخ، أو خاف ان يشق على الأمة، أو ما أشبه ذلك، ويدل لهذا أنه لولا أنه من عادة الرسول - ﵊- انه يستعملها ما جاءت بها ميمونة فالظاهر أن هذا كان معتادا لكن ردها لسبب من الأسباب.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نفض الماء باليد، واما ما ورد من النهي عن ذلك فإنه ضعيف لا تقوم به حجة، فالصواب أنه يجوز للإنسان أن يتمندل، وإذا لم يفعل فلا حرج أن ينفض الماء بيده.
١١٣ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: "يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ -وفي رواية: والحيضة؟ -فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حيثات". رواه مسلم.
قولها: "إني امرأة أشد شعري" "أشد"؛ يعني: عند فتله ليكون ضفائر وقرونا، ومعلوم أن شد الشعر يقتضي ألا يتخلله ماء إلا بمعالجة، وقولها ﵂: "أفأنقضه لغسل الجنابة"، وفي رواية: "والحيضة" يعني: والحيض؟ فقال: "لا"، وقوله: "لا" يحتمل أنها للنهي أو أن هذه نفي الوجوب، فإن قلنا: للنهي صارت المرأة لا يسن لها أن تنقض، بل ولا ينبغي لها ذلك؛ لأنها سوف تفسد ما أصلحت بدون ضرورة، وغن قلنا إنها لنفي الوجوب صار يجوز للمرأة أن تنقض الشعر، ويأتي في الفوائد إن شاء الله، وقوله: "إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات" يعني: بدون أن تنقضيه.
ففي هذا الحديث من الفوائد: أولا: صراحة نساء الصحابة - ﵃- في السؤال عما قد يستحيا منه؛ لأن أم سلمة ﵂ قالت: "أفأنقضه لغسل الجنابة".
ومنها: جواز شد شعر الراس، ولكن ينهى أن تجعل المرأة شعررأسها فوق؛ لأنه ربما يكون ذلك سببا للتدرج حتى تجعل الرءوس كأسنمة البخت المائلة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونستاء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب نقض شعر المرأة عند الغسل من الجنابة أو الحيض لقول النبي ﷺ: "لا"، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن تكون لنفي الوجوب ويحتمل أن تكون للنهي.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ومن فوائد هذالحديث: أنه يكفي أن يحثي الإنسان علىراسه ثلات حثيات.
فإن قال قائل: وهل يكفي دون ذلك؟
فالجواب: نعم، لكن لما كان الرأس الذي له شعر يحتاج إلى المبالغة قال: إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات"، وإلا إذا علمنا أن الحثية الواجدة بلغت أصول الشعر، فإنه لا يلزمها أكثر من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦].