- وللأربعة عنه - أي: عن المغيرة - إلا النسائي: "ن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله". وفي إسناده ضعف.
هذا الحديث يقول: إن الرسول مسح أعلى الخف، وهو: ما يكون على ظهر القدم، وأسفله تحت القدم، لكن هذا في إسناده ضعف، وعلل عندي في الحاشية؛ لأنه من رواية كاتب المغيرة وقد ضعفه أئمة الحديث، ثم إنه يخالف الحديث الذي بعده وهو حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال:
٥٤ - وعن علي ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه". أخرجه أبو داود بإسناد حسن.
فهذان حديثان متعارضان، ولكن الأول ضعيف، والضعيف لا يقاوم ما هو أرجح منه ويكون أمامه ساقطا لا يعتد به، وعلى هذا فيكون المسح أعلى الخف كما قال علي ﵁ مسندا الأمر إلى رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٢٢٤ ]
قوله ﵁: "لو كان الدين بالرأي" أي: بالرأي الأول الذي هو بادي الرأي "لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه"، لكن الدين ليس بالرأي الأول وليس ببادي الرأي؛ بل الدين بالرأي العميق المبني على العقل الناضج؛ وإلا ولا شك أن الدليل والنقل الصحيح لا يمكن أن يعارضا العقل الصريح هذه قاعدة، والدليل على هذا أن الله دائما يقول: ﴿أفلا تعقلون﴾ مما يدل على أن الشريعة موافقة للعقل، وأن الذي يخالف الشريعة مخالف للعقل، وعليه فيكون قول علي ﵁: "لو كان الدين بالرأي" أي: بيادي الرأي "لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه"، لكن الدين يكون بالعقل المتعمق الراسخ المتأني ولذلك تجد أكثر الذين يبنون أمورهم على بادي الرأي يفسدون أكثر مما يصلحون؛ لأنهم لم ينظروا إلى العواقب ولم ينظروا إلى النتائج والثمرات، فتجدهم يفسدون أكثر مما يصلحون؛ ولهذا لما سئل الإمام أبو حنيفة ﵀ عن قوم يخرجون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن بالعنف وأخذ الناس؟ قال: لا يخرجون، قالوا: إنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر! قال: نعم، ولكنهم يفسدون أكثر مما يصلحون، وهذه قاعدة يجب على الإنسان أن يبني منهجه عليها، أن ينظر إلى العواقب، أنت ربما تشفي غليلك في هذه الحال، وترى أنك قد تشفيت، ولكن يحصل من المفاسد أكثر مما حصل من هذه المصلحة التي وقعت فانظر إلى العواقب، وإن الأمور التي نشاهدها الآن حولنا أو بعيدا منا تدل على ذلك، على أنه يجب أن نتأنى ونتصبر حتى نقدم الخطى.
إذا نظرنا إلى هذه المسألة بالرأي العميق وجدنا أن أعلى الخف أولى بالمسح من أسفله؛ لأنك إذا مسحت على الخف مسحت على شيء نظيف، على شيء لم تلوثه الأرض بالأذى والقذر، ولو مسحت على الأسفل فتلوثت يدك بالأذى والقذر والوسخ، وليس المراد بهذا المسح أن نغسل الرجل، ولو كان المراد أن نغسل الرجل لوجب علينا أن نخلع، لكن المراد بالتعبد لله ﷿ بمسح هذا العضو بما يكون تطهيرا له، فعليه يكون الدين - وهو مسح الخف من أعلاه- موافقا للعقل وللرأي السليم الصواب.
من فوائد حديث علي ﵁ ما ذكرناه الآن: أن الدين ليس بالرأي الذي هو بادي الرأي.
ومن فوائده أيضا: إسناد الأحكام الشرعية إلى من له التشريع وهو من الخلق من؟ الرسول - ﵊-؛ ولهذا قال: "وقد رأيت رسول الله ﷺ " إلخ.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المسح على الظاهر ليس على الباطن، فمن مسح على الباطن فهو من المتعمقين والمتنطعين والمبتدعين أيضا.
ومن فوائد الحديث: من قوله: "على ظاهر الخفين" أن أدنى مسح كاف؛ لأنه لم يقل: مسح
[ ١ / ٢٢٥ ]
بظاهر الخفين حتى نقول: إنه يجب استيعاب ظاهر الخف كقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكن وأرجلكم﴾ حيث قلنا: إن الباء في قوله: ﴿برءوسكم﴾ للاستيعاب، فيجب أن يكون مسح الرأس في الوضوء شاملا لجميع الرأس، لكن هنا قال "علي": فيكفي أدنى مسحة، ولكن هذه المسألة فيها خلاف والمذهب الوسط فيها ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ أن يكفي مسح أكثر الظاهر فلو أمر يده على ظاهر الخف من أصابعه إلى ساقه كفى، ولا يمسح العقب والأسفل، بل من أطراف الأصابع إلى أن يصل إلى الساق.
ثم هنا يقول: "على ظاهر خفيه"، ولم يقل: هل بدأ باليمين أو بدأ بالشمال أو مسح عليهما جميعا باليدين؟ أما كونه بدأ بالشمال فهذا غير وارد؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.
الوارد هل مسحهما جميعا باليدين أو بدأ باليمنى؟ هذا محل نظر، فمن العلماء من قال: يمسحها جميعا باليدين؛ لأن هذا ظاهر الحديث "مسح عليهما"، ولم يذكر أنه بدأ باليمنى؛ فعلى هذا يكون المسح عليهما مرة واحدة باليدين اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى.
ومنهم من قال: إن الصحابي أراد أن يبين وقوع المسألة بقطع النظر عن كونه بدأ باليمين أو بدأ بالشمال، ونحن نقول: إن المسح فرع عن الغسل، والغسل يبدأ فيه باليمين، وما دام الأمر مترددا بين هذا وهذا فإن العلماء بعضهم قال بهذا؛ وبعضهم قال بهذا؛ يعني بعضهم قال: يمسحهما جميعا، وبعضهم قال: يبدأ باليمين، والأمر عندي في هذا واسع، المهم أن يمسح عليهما.
ومن فوائد هذا الحديث: الرد على الرافضة؛ لأنهم يرون علي بن أبي طالب إمام الأئمة، والأئمة عندهم معصومون من الخطأ وهم لا يرون المسح على الخفين، وعلي ﵁ أحد الصحابة الذين رووا أحاديث المسح، وهو خليفة من خلفاء المسلمين ومع ذلك لا يقبلون هذا، مما يدل على أن القوم إنما يتبعون أهواءهم لا يتبعون الحق، قال ابن كثير: في غالب ظني إنهم خالفوا الحق في تطهير الرجل من وجوه ثلاثة:
أولا: أنهم قالوا: يجوز مسح الرجل المكشوفة بدلا من غسلها.
وثانيا: أنهم جعلوا الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، فيكون التطهير في نصف القدم فقط.
وثالثا: أنهم منعوا من مسح الخفين، وكل هذا ثابت كما مر عليكم ويمر إن شاء الله.
[ ١ / ٢٢٦ ]