٣٩ - وعنه ﵁: "أنه رأى النبي ﷺ يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه". أخرجه البيهقي
- وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو المحفوظ.
"وعنه" يعني: عبد الله بن زيد، أنه رأي النبي ﷺ يأخذ ماء لأذنيه، ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه، والماء الذي أخذه لرأسه مسح به الرأس، ثم أخذ لأذنيه ماء جديدا غير الماء الذي أخذ لرأسه.
يقول المؤلف معقبا على هذه الرواية: وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو المحفوظ. وعلى هذا تكون رواية البيهقي شاذة؛ لأن المخرج واحد، ورواية مسلم أقوى، والمعروف في علم المصطلح أنه يقدم الأقوى ولو كان الثاني ثقة، ويكون الأقولا محفوظا والثاني شاذا، ولهذا نقول: المخالفة في الزيادة إن لم تكن منافية وجاءت من ثقة فهي مقبولة كما لو روى الحديث مستقلا، وإن جاءت الزيادة منافية نظرنا إلى إن كانت منافية لمن هو أوثق مع ثقة ناقليها فهي شاذة، وإن كان الزائد ضعيفا فهي منكرة وغير الزائد يسمى معروفا، فعندنا المعروف يقابل بالمنكر، والمحفوظ يقابل بالشاذ.
وأما حكم هذه المسألة فرواية البيهقي تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ لأذنيه ماء غير ما مسح به رأسه، ولكن هذا لا يثبت عن النبي ﷺ ولولا أن الحديث أتى من وجه واحد لقلنا: لعل النبي ﷺ يفعل هذا تارة وهذا أخرى، أو لعله يأخذ ماء لأذنيه إذا نشفت يداه وكان لابد من أن يأخذ ماء، لكن ما دام الوجه واحدا والطريق واحدا وجاءت رواية مسلم أنه أخذ ماء جديدا للرأس دون الأذنين فإنها مقدمة على رواية البيهقي.
أخذ الفقهاء - ﵏- بما دلت عليه رواية البيهقي، وقالوا: يسن أن يأخذ ماء جديدا
[ ١ / ١٨٩ ]
لأذنيه، ولكن هذا القول ضعيف، نعم لو فرض أن اليد يبست نهائيا ولم يكن فيها بلل إطلاقا فحينئذ يحتاج إلى أن يبل بماء جديد، وهذا يتصور فيما إذا كانت الريح شديدة وكان الشعر كثيفا، وإلا فإن الغالب أنه يبقى البلل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يمسح الأذنين بما بقي من الرأس هذا على رواية مسلم.
ومن فوائده: أنه يأخذ ماء جديدا لكل عضو لقوله: "غير فضل يديه"، ولكن لو فرض أنه لم يأخذ فهل يصح الوضوء أو لا؟ يعني: لو أن إنسانا غسل يديه وبقي فيهما بلل ومسح بهما رأسه فهل يجزئ أو لا؟
نقول: أما على قول من يرى أن الماء المستعمل في طهارة واجبة يكون طاهرا غير مطهر فإنه لا يصح أن يمسح رأسه بالماء الفاضل بعد غسل اليدين؛ لأن هذا الفاضل يستعمل لطهارة واجبة فيكون طاهرا غير مطهر. وأما على القول الثاني: أنه ليس هناك قسم طاهر غير مطهر فإنه إذا بقي بلله يبل به الرأس فلا حرج؛ لأن المقصود مسح الرأس وقد حصل.