٢٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل. متفق عليه.
- ولمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا، فيصلي فيه".
[ ١ / ١٥٠ ]
- وفي لفظ له: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه".
هذا الحديث فيه بيان حكم المني، والمني: هو الماء الدافق الذي يخرج من الإنسان بشهوة، فلابد أن يكون دافقا حتى يصلح عليه أنه مني صحة وليس من مرض؛ لأن المني قد يخرج من مرض، لكن الكلام هنا على المني الذي يخرج من الصحة، وهذا لا يكون إلا دافقا لقول الله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق﴾ [الطارق: ٥، ٦].
هذا الحديث تقول عائشة: إن الرسول يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل، يعني: أنه يصلي فيه - ﵊- وهو لا يزال رطبا لم ييبس من غسله.
ذكر المني قد يوجب لنا أن نذكر ما يخرج من الذكر. الذي يخرج من الذكر أربعة أنواع:
المني، والمذي، والبول، والودي. أربعة أشياء كلها مختلفة، إلا الودي مع البول.
المني سيتبين لنا إن شاء الله من الحديث أنه طاهر موجب للغسل، المذي بين الطهارة والنجاسة ليس من النجاسات الثقيلة ولا من الطاهرة، وهو أيضا سبب الشهوة، لكنه لما كان لا يخرج حين اشتدادها وقوتها وإنما يخرج عند تذكر أو رؤية المرأة أو أشبه ذلك، ويخرج من دون أن يحس به الإنسان ولا يدري عنه إلا برطوبته، هذا بين بين جعله الشارع بين المني والبول، فهو يوجب غسل الذكر والأنثيين وإن لم يصيبها، ويوجب أيضا أن ينضح ما أصابه نضحا بحيث يغمر بالماء دون أن يتقاطر منه، ودون أن يعصر، ويفرق عن البول والودي لأن حكمهما واحد، كلاهما نجس، وكلاهما يغسل غسلا تاما بحيث يصب عليه الماء حتى يتقاطر ويفرك ويعصر.
تقول ﵂: "كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل" متفق عليه. قولها: "يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب"؛ أي: الثوب الذي فيه المني وغسله منه، وقولها: "وأنا أنظر" يحتمل أن تكون الجملة حالية؛ يعني: يخرج وأنا أنظر إليه أتبعه بصري، ويحتمل أنها استئنافية بمعنى: أنه يخرج خروجا غير مقيد بكونها تنظر إليه بل أنا أنظر إليه حين خروجه أو قبل خروجه، وعلى هذا فالحكم لا يختلف، وفي رواية لمسل: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا فيصلي فيه".
الفرك: هو الدلك إما بالأصابع أو مع الراحة أو ما أشبه ذلك، وقولها ﵂: "فركا" من باب التوكيد فهو مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد قال العلماء: إن فائدته نفي احتمال المجاز مع التوكيد، فقوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤].
[ ١ / ١٥١ ]
﴿تكليما﴾: هذه مصدر مؤكد وفائدته نفي احتمال المجاز، يعني: على القول بأن المجاز واقع في القرآن، والصواب أنه ليس بواقع، وقولها: "فيصلي فيه" يعني: من غير غسل بل بالفرك، وفي لفظ: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه". وهذه طريقة أخرى بدل الفرك تحكه بظفرها، وهذا فيما إذا بقي له جرم تحكه بظفرها حتى تزول عينه بألا يرى، ومثل هذا قد يكون فيه شيء من الحياء والخجل إذا رؤي أثر المني على ثوب الإنسان.
أسئلة:
- ما الذي يؤخذ من حديث عمرو بن خارجة بالنسبة للحيوان؟ طهارة لعاب الحيوان المأكول وكل شيء يخرج منه ما عدا الدم المسفوح.
- إذا قال قائل: كيف نستدل بحديث عمرو بن خارجة وهو يحكي حكاية لم يذكر أن النبي ﷺ اطلع عليه؟ كل ما وقع في عهد الرسول ﷺ فهو حجة؛ لأنه لو لم يعلم به فقد علم الله.
- هل هناك دليل في عمل الصحابة على استدلالهم بإقرار الله تعالى بالشيء؟ نعم، ودليله حديث جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئا لأنكره الله". هل فيه دليل من القرآن على أنه لو كان منكرا لأنكره الله؟ قوله تعالى: ﴿يستخفون من الناس﴾ الآية.
فوائد الحديث:
في حديث عائشة ﵂ في حكايتها في تقرير المني من فوائده: جواز التصريح بما يستحيا من ذكره عند الحاجة إليه؛ لقولها: "يغسل المني".
فإن قال قائل: كيف صرحت بذلك وهو مما يستحيا منه غالبا، ومما يتعلق بالاستمتاع بالنساء، وعلي ﵁ استحيا أن يسأل النبي عن المذي حيث إنه يتعلق بالشهوة لأنه كان زوج ابنته؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: إن الناس يختلفون في الحياء؛ فعلي معذور مع أنه ﵁ لم يهمل الأمر، وكل من يسأل عنه، وعائشة معذورة لأنها تريد أن تبين حكما وشرعا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي إزالة أثر المني، سواء قلنا بطهارته أو بنجاسته.
ومن فوائده: أن المني ليس بنجس؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بغسله، فإن قال قائل: ولكنه غسله، فالجواب: أن فعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، الوجوب يكون بالأمر وبعضهم قال: إن الفعل الدائم المستمر يدل على الوجوب وإن لم يأمر به، وهذا ليس من الشيء المستمر؛ لأنه أحيانا إذا يبس يفركه.
[ ١ / ١٥٢ ]
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يمكن أن يقاس على المني كل ما يستحيا من رؤيته، فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله عن ثوبه فلو كان به أثر دم وإن قلنا بالطهارة؛ أو كان فيه أثر مخاط؛ أي: في الثوب فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله؛ لأن هذا مما يستحيا منه وتتقزز النفوس منه، وبالتالي يكون نفس الذي اتصف به مكروها في طبائع الناس، وإن كان غير مكروه شرعا لكن الناس لا يجبون أن يروا هذا المذى على غيرهم.
ومن فوائد الحديث في لفظ مسلم: أن من العشرة بالمعروف أن تخدم المرأة زوجها لقولها ﵂: "لقد كنت أفركه".
فإن قال قائل: وهل خدمة الزوجة زوجها أمر واجب عليها؟
فالجواب: أن الله تعالى حكم بهذا حكما عدلا فقال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩].
فإذا كان المعروف عند الناس أن المرأة تخدم زوجها وجب عليها أن تقوم بخدمته، وإذا كان المعروف أن الزوجة لا تخدم الزوج وأنها تستخدم الخادم لم يجب عليها أن تخدم الزوج، وإذا كان من المعروف أن تخدمه في شيء، دون شيء فعلى حسب المعروف ما جرت العادة أن تخدمه فيه وجب عليها أن تخدمه، وما لم تجر العادة به لم يجب عليها، كل هذا مأخوذ من كلمتين: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاقتصار على فرك المني إذا كان يلبسا، وأنه لا يجب غسله، ولكن بعض الأشخاص يكون لمنيه أثر وإن فركوه فهل نقول: اغسل الأثر؟ الجواب: نعم، اغسله لئلا يتقزز الناس من رؤيته.
ومن فوائد هذا الحديث - أعني: رواية مسلم-: أنه كالصريح في طهارة المني؛ لأن النجس- ولاسيما ما كان له جرم- لا يكفي فيه الفرك؛ إذ إن الثوب يتشرب النجاسة، فالفرك لا يمكن أن يزيل عين النجاسة، وهذا يدل على أن المني طاهر وهو كذلك، بقي أن يقال - وهي مسألة ليست في الحديث-: إذا كانت النجاسة التي لها جرم على شيء أملس كالمرآة فهل يجزئ فيها الفرك إذا أزالها بالكلية؟ الصواب: أنه يجزئ؛ لأن القول الراجح أن النجاسة متى زالت بأي مزيل طهر المحل.
ومن فوائد هذا الحديث: زهد النبي ﷺ في الدنيا؛ حيث كان ثوبه الذي يصيبه المني يغسله ويصلي فيه، بمعنى: أنه لا يحتاج إلى ثوب للصلاة، وثوب للفراش، وثوب للبيت وما أشبه ذلك. فهل يقال: إنه لما أنعم الله علينا بالمال ينبغي لأن نعود إلى ذلك، وأن نجعل ثوب النوم هو ثوب الصلاة؟
[ ١ / ١٥٣ ]
الجواب: لا، ليس كذلك إذا وسع الله علينا فإن الله "يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
فإن قال قائل: هل هذا المني الذي تفركه عائشة من ثوب الرسول - ﵊- هو عن احتلام أو عن جماع؟
الجواب: أنه عن جماع؛ لأن النبي ﷺ لا يحتلم، فإن من خصائصه - ﵊- أنه لا يحتلم كما ذكر ذلك أهل العلم.
ومن فوائد اللفظ الثاني لمسلم: جواز تأكيد الشيء بأي مؤكد وذلك من قولها: "كنت أحكه يابسا بظفري"، التوكيد هنا هل هو في قولها: "بظفري"، أو في قولها: "يابسا" أو فيهما؟ الجواب: فيهما، لأنه لا يمكن الحك إلا إذا كان يابسا، والحك أيضا لا يكون إلا بالظفر.