قال - رحمه الله تعالى-:
٩ - وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الهرة: "إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم"، أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة.
هذا الحديث له سبب؛ يعني: سياقه له سبب، وليس صدوره من الرسول - ﵊- له سبب؛ بل سياق أبي قتادة له، له سبب؛ لأن فرق بين كون الراوي ساق الحديث لسبب وبين كون الرسول ﷺ قاله لسبب، الحديث هذا ساقه أبو قتادة ﵁ بسبب وهو أنه دخل على أهله فسكبت له امرأته وضوءا يتوضأ به، فجاءت هرة فأصغى لها الإناء وجعلت تشرب، تشرب من هذا الماء الذي يريد أن يتوضأ له، فنظرت إليه فكأنه رأى أنها استنكرت هذا أو استغربته فحدثها بهذا الحديث: أن النبي ﷺ قال: "إنها ليست بنجس". هل يصلح أن نقول: هذا سبب الحديث أو سبب سياق الحديث من الراوي؟ الثاني.
(الهرة) معروفة ولها أسماء كثيرة هي من أكثر الحيوانات أسماء لأنها متداولة عند الناس، وكل ما تداوله الناس كثرت أسماؤه؛ لأن كل الناس يسمونها باسم، ولهذا من أكثر ما يكون أسماء: الأسد والهرة.
الهرة تسمى: هرة، وتسمى أيضا قطة، وتسمى سنور، وتسمى: بس - بفتح الباء-، قال في القاموس: إن العامة تكسره وإلا فهو بالفتح، ولها أسماء كثرة يمكن لمن راجع كتاب الحيوانات للدميري أو غيره ينظر أسماءها، لكن هذا العلم ليس بذاك المهم، المهم أن الهرة لو
[ ١ / ٩٣ ]
سئلنا ما هي؟ قيل: هي هذه المعروفة بين الناس المتداولة بين الناس، الهرة هل هي سبع أم لا؟ هي في الواقع من السباع؛ لأنها تفرس بنابها فهي من السباع، وكانت الهرة فيما سبق في بلادنا هذه تأكل الدجاج أكلا عظيما تقفز عليها وهي معلقة في مسراها - أعني: الدجاجة- تنزلها في الأرض وتأكلها، أما الآن فسبحان الله! صارت تأكل معها في الإناء سويا ولا تقل لها شيئا أبدا، وهذا قيل إنه من أجل أن الهرة ارتفع نظرها وصارت لا تريد الدجاج يعني: ما تأكله لكنها تأكل الحمام، فالله أعلم، على كل حال هداها الله وسخرها لنا فهي في الحقيقة مما يؤلف في البيوت.
يقول: "ليست بنجس" يعني: أنها طاهرة؛ لأن نفي الضد إثبات لضده، فإذا نفى أن تكون نجسا صارت طاهرة ليست بنجس، ونجس هنا صفة مشبهة كبطل اسم للشجاع، كذلك نجس اسم لما هو نجس بذاته ومنجس لغيره، لكن الرسول - ﵊- يقول: "إنها ليست بنجس"، ثم إن النبي ﷺ من عادته وحكمته وبلاغته في التعليم أنه إذا ذكر الحكم ذكر علته، لاسيما إذا كان الحكم يحتاج إلى علة من اجل أن يطمئن الإنسان إلى هذا الحكم، قال: "إنها ليست بنجس" علل ذلك لم يقل: إنها حلال، قال: "إنها من الطوافين عليكم" لم يقل: من الطوافات، الظاهر - والله أعلم- اتباعا للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿طوافون عليكم بعضكم على بعض﴾ [النور: ٥٨]. فهي من الطوافين، وإنما قلت ذلك؛ لأن المؤنث لا يجمع جمع مذكر، ومعلوم أن الهرة مؤنثة، من الطوافين ما معنى الطواف؟ الطواف: هو كثير التردد، كثير التردد على الشيء يسمى طوافا، فهذه هي العلة التي علل بها النبي ﷺ كون الهرة ليست بنجس.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا رأى الشخص مستغربا لحال من الأحوال أن يزيل عنه هذا الاستغراب، وجهه: أن أبا قتادة حدث بهذا الحديث ليزول استغراب أهله - يعني: زوجته- وهذا أمر يعتبر من محاسن الأخلاق أن الإنسان يصنع مع أخيه ما يجب أن يطلع عليه وإن لم يسأله، وهذا من هدي الرسول - ﵊-، ففي قصة سلمان الفارسي ﵁ أنه قعد خلف النبي ﷺ لينظر إلى خاتم النبوة، خاتم النبوة عبارة عن علامة تدل على أن محمدا رسول الله خاتم الأنبياء، وقد ذكر لسلمان حسب ما طالت به الدنيا أن من علامات النبي الأمي خاتم النبوة بين كتفيه، فكان النبي ﷺ جالسا ورأى هذا الرجل وراءه وكأنه يتطلع إلى شيء؛ فنزل الرداء بدون أن يسأل سلمان تنزيله من أجل أن يطلع عليه، فمن محاسن الأخلاق أنك إذا رأيت أخاك يحب أن يطلع على شيء وليس في إطلاعه عليه مضرة عليك فإنه ينبغي أن تدخل عليه السرور باطلاعه على ما يحب الاطلاع عليه.
[ ١ / ٩٤ ]
ومن فوائد هذا الحديث: أن الهرة طاهرة مع أنها محرمة الأكل، وكل محرم الأكل فإنه نجس هذا هو الأصل أن جميع محرم الأكل من الحيوان نجس، ولكن هناك أشياء تزول نجاستها لسبب من الأسباب، والهرة الأصل فيها أنها نجسة لأنها محرمة الأكل، لكن علل الرسول - ﵊- لعلة لا توجد في غيرها، فإذن من فوائد الحديث: أن محرم الأكل نجس؛ لأن الرسول أخرج الهرة عن النجاسة لسبب لا يوجد في غيرها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الهرة ليست نجسة فهل هذا على عمومه؟
الجواب: لا، ليست نجسة في ريقها وفيما يخرج من أنفها وفي عرقها وفي سؤرها؛ أي: بقية طعامها وشرابها، في بولها نجس، في روثها نجس، في دمها نجس؛ لأن هذه الأشياء كلها من محرم الأكل نجسة، فكل ما يخرج من جوف محرم الأكل فإنه نجس كالبول والعذرة والدم والقيء وما أشبهه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الهرة لو شربت من ماء وهذا هو وجه سياق الحديث في هذا الباب، لو شربت من ماء فإن الماء لا ينجس قليلا كان أو كثيرا؛ لأن الإناء الذي كان يتوضأ به أبو قتادة قليل.
ومن فوائده: أنه لا فرق بين أن تكون هذه الهرة أكلت شيئا نجسا أو لم تأكل لماذا؟
لإطلاق الحديث، فلا يقال مثلا: لو رآها تأكل فأرة ثم شربت من الماء صار الماء نجسا.
نقول: الحديث عام أنها ليست بنجس سواء أكلت ما هو نجس عن قرب أو عن بعد، نعم لو رأيت أثر الدم في شفتيها في هذا الماء يكون نجسا، إذا لم تر شيئا فهي طاهرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المشقة تجلب التيسير، وجهه: أن الله تعالى رفع النجاسة عنها لمشقة التحرز منها حيث إنها من الطوافين، ولو كانت نجسة وهي في البيت تشرب من الإناء، تشرب من اللبن، تأكل من الطعام لكان في ذلك مشقة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النجاسات التي يشق التحرز منها معفو عنها، وذكر العلماء من ذلك يسير الدم النجس غير الخارج من السبيلين يعفى عنه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جميع النجاسات يعفى عن يسيرها مع مشقة التحرز منها، وما قاله ﵀ على القاعدة".
فعلى هذا الذين يستخدمون الحمير؛ والحمار تعرفون أنه يبول ويروث أحيانا يقف ويبول
[ ١ / ٩٥ ]
على أرض صلبة ماذا يصيب صاحبه؟ سيصيبه الرشاش. يقول شيخ الإسلام: إن مثل هذا يعفى عنه لمشقة التحرز منه، وأخذ القول من هذا التعليل؛ "إنها من الطوافين عليكم".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الفأرة طاهرة؛ لماذا؟ لأنها من الطوافين علينا، فإذا قال قائل: أليس النبي ﷺ قال في الفأرة: "تموت في السمن ألقوها وما حولها". بلى، نعم هو قال هذا، لكن هذه ميتة، والفأرة إذا ماتت تكون نجسة، والهرة أيضا إذا ماتت تكون نجسة؛ وذلك لأن العلة التي من أجلها خففت زالت الآن، الآن ماتت لا تكون طوافة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو شرب حيوان محرم الأكل وهو دون الهرة لكنه لا يرى إلا نادرا فإنه يكون نجسا، توافقون؟ نعم، وهذا هو الصحيح، وما ذكره بعض العلماء من أن مناط الحكم هو حجم الحيوان دون مشقة التحرز منه، فهو ضعيف لأن بعض العلماء - ﵏- جعل مناط الحكم الجرم وقال: الهرة وما دونها في الخلقة طاهر وهذا لا يدل عليه الحديث، الحديث يدل على أن العلة هي مشقة التحرز.
فإن قال قائل: ينتقد ذلك عليكم بالكلب، كلب الصيد، كلب الحرث، كلب الماشية، طواف علينا والتحرز منه شاق وقد ثبت أن نجاسته مغلظة.
يقال: إن الشريعة الإسلامية فيها عموم وخصوص أيهما الذي يقضي على الآخر؟ الخاص يقضي على العام فيقال: الكلب مستثنى بدلالة الحديث، ونحن ليس لنا أن نحكم بالقياس على النص، وإنما نحكم بالنص على القياس.
ومن فوائد هذا الحديث: رحمة الله ﷿ بالخلق؛ حيث خفف عنهم ما يشق عليهم اجتنابه لقول الرسول ﷺ: "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين". وهذه - يا إخواني- القاعدة مضطردة فهذه الشريعة الإسلامية مبنية على الرحمة وعلى التيسير حنيفية سمحة ليس فيها تعسير إطلاقا، وهذه خذوها قاعدة من كلام الله وكلام الرسول - ﵊- أما كلام الله فقد قال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. أما في السنة فقد قال النبي ﷺ: "إن الدين يسر - الدين عام كل دين- ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، وكان يبعث البعوث ويقول: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا". "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
[ ١ / ٩٦ ]
ثم إن الإنسان أحيانا تأخذه الغيرة إذا رأى المعاصي والمنكرات فيغضب، نقول: جزاك الله خيرا الغيرة لا شك أنها مطلوبة، ومن لا غيرة عنده فقلبه ميت، لكن هل أنت تريد أن تطفئ نار الغيرة بما يصدر منك من قول جاف أو فعل نكد، أو تريد أن تصلح الخلق؟ الثاني هو الذي يجب أن يكون.
وإذا كان المقصود الإصلاح فيجب أن أسلك أقرب طريق إلى الإصلاح، أنا عندما أرى رجلا عاصيا لا شك أني أكره المعصية وأكره المعصية لهذا الشخص أيضا، لكن كيف نعالج هذا؟ هل الإنسان إذا وجد شخصا فيه ورم هل يأتي بالسكين السيئة ويشقه ويدعه يهراق دما، أو أنه يأتي بألطف مما تحصل به العملية وينظفه؟ الثاني، والأدواء المعنوية كالأدواء الحسية يجب علينا - لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المعاصي- أن نستعمل أرفق ما يكون بقدر ما يستطيع الإنسان، صحيح أنه بشر قد يثور ويغضب ويتألم لكن يجب أن يهدئ نفسه لأنه يريد إصلاح الغير.
إذن نقول: هذا الدين - والحمد لله- يسر من جميع جوانبه، والمقصود إصلاح الخلق بأي وسيلة، وهذا التشريع في الهرة يدل على ذلك في مثل أشياء تعتاد المنازل ويكثر ترددها من طيور محرمة مثلا هذه الطيور المحرمة التي يكثر وجودها في البيوت حكمها حكم الهرة، أما إذا كانت لا تأتي إلا نادرا وليست من الطوافين؛ فكما قلت لكم كل محرم الأكل فهو نجس، إلا أنه يستثنى شيء واحد ما ليس له دم من الحشرات ليس بنجس، هذا طاهر حيا وميتا.