١١٩ - وفي حديث حذيفة ﵁ عند مسلم: "وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء".
ففي هذا الحديث تخصيصان عن حديث جابر السابق.
الأول: قوله: "تربتها"، والثاني: قوله: "إذا لم نجد الماء".
فأما الأول: فهو قيد غير مراد؛ وذلك لأنه نص على بعض أفراد العموم؟ وذكر بعض أفراد العموم بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، اللهم إلا إذا كان التقييد بمعنى يختص به فحينئذ يقتضي التخصيص، وهنا كلمة "التراب" ليست وصفا تتغير به الأحكام، وإنما هو لقب، سمي التراب لأنه تراب، ومفهوم اللقب عند العلماء غير معتبر.
وأما الثاني: "إذا لم يجد الماء" فهذا القيد لا شك أنه معتبر ينص القرآن؛ لقول الله تعالى:
﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣].
ويضاف إلى فوائد هذا الحديث: أنه لا يصح التيمم مع وجود الماء.
ولكن لو قال قائل: إن وجد الماء ولم يجد ثمنه، وليس ملكا له وليس عنده ثمن يشتريه به فهل نقول: إنه كعادم الماء؟
الجواب: نعم، لأن عدم ثمن الماء كعدم الماء.
فإن قال قائل: فإذا وهب له هل يلزمه قبوله هدية؟
فالجواب: لا، لا يلزمه لما في ذلك من المنة، هكذا قال العلماء، وبناء على هذا التعليل نقول: إذا وهبه له من لا منة له عليه كأبيه وابنه لزمه القبول، وأما إذا وهبه أجنبي فإنه لا يلزمه؛ لأنهربما في يوم من الأيام يمن عليه بذلك فيخجله.
[ ١ / ٣٥٨ ]
فإن قال قائل: وهل يلزمه أن يشتريه إذا وجد الثمن؟
فالجواب: نعم، يلزمه؛ لأنه لا يصدق عليه أنه عادم.
فإن قال قائل: وهل يلزمه استعارته إذا قال: يمكن استعارة ما يحمل فيه الماء، كالدلو والرشاء وما أشبه ذلك؟
فالجواب: أنه يلزمه إلا إذا كان يخشى أن يمن عليه بذلك؛ فإنه لا يلزمه، أما إذا كان يستعيره من شخص قد علم أنه يفرح إذا استعير منه الشيء؛ فإنه يلزمه لعدم وجود العلة التي هي المنة.
١٢٠ - وعن علي ﵁ عند أحمد: "وجعل التراب لي طهورا".
وهو قريب من حديث حذيفة، وفيه من الفوائد من حديث حذيفة، أن التيمم مطهر كما سبق، وإذا كان مطهرا لزم أن يكون رافعا للحدث، وهذا هو ما تقتضيه دلالة القرآن والسنة، فالقرآن قال الله تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة: ٦]. والسنة كما ترون وصف النبي ﷺ التراب أنه طهور، والطهور ما يتطهر به، وبناء على هذا القول لم تيمم من علم أنه لن يجد الماء بعد الوقت لو تيمم قبل دخول الوقت فتيممه صحيح، وله أن يصلي به، ومن تيمم في الوقت ثم خرج الوقت وعلى طهارته فتيممه لا يبطل إلا بزوال مبيحه، وهو البرء إن كان التيمم لمرض، ووجود الماء إن كان التيمم لعدم الماء، ثم قال ﵀: