١٠٦ - وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". أخرجه السبعة.
وهم البخاري، وميلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
قال: "غسل الجمعة واجب" فأضافه إلى الجمعة، والأصل: أن الجمعة هي الصلاة لا اليوم؛ ولهذا يقال: يوم الجمعة، وبه نعلم أن الغسل هنا للصلاة وليس لليوم.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقوله: "واجب" الواجب هو الشيء الثابت اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [الحج: ٣٦]. أي: سقطت، ومنه قولهم: وجبت الشمس؛ يعني: غابت؛ لأن هذا مكث وثبوت.
وهو عند الأصوليين - الواجب- ما أمر به على وجه الإلزام ويثاب فاعله امتثالا ويستحق العقاب تاركه.
قوله: "على كل محتلم" أي: على كل بالغ، وذلك أن البلوغ يحصل بالاحتلام وهو إنزال الماء بشهوة في حال النوم، فيكون هذا القيد مبنيا لما سنذكره إن شاء الله تعالى.
في هذا الحديث نص صريح واضح على أن غسل الجمعة واجب، والمتكلم به هو أفصح الخلق، والمتكلم به أنصح الخلق، والمتكلم به أعلم الخلق، فهو - ﵊- اجتمع في كلامه العلم، والثاني الفصاحة، والثالث النصح، ومثل هذا يمكن أن يقول قولا يوهم معنى غير ظاهره، ونحن إذا نظرنا إلى الظاهر عرفنا أن الوجوب محتم، ويدل لها أنه علقه بوصف يقتضي التكليف، وهو الاحتلام، فيكون هاذ دليلا واضحا على أن المراد بالوجوب: اللزوم، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء - ﵏-.
منهم من قال: إن الاغتسال للجمعة اغتسال لليوم؛ فيجوز أن يغتسل قبل الصلاة وبعد الصلاة، لكن هذا قول ضعيف، ولولا أنه قيل ما ذكرناه، والصواب: أن الغسل قبل الجمعة، لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنة مطلقا في القولين، أو واجب على من كان فيه رائحة، أو حيث تتوقع الرائحة كأيام الصيف التي يكثر فيها العرق، والنتن، فالأقوال ثلاثة:
الأول: الوجوب. والثاني: الاستحباب. والثالث: التفصيل، فإذا كان مظنة انبعاث لرائحة كريهة، أو كان نفس الإنسان فيه عرق ووسخ كثير تنبعث منه الرائحة الكريهة كان الغسل واجبا، وإلا فلا، والذي تقتضيه الأدلة أن الغسل واجب مطلقا؛ لأن الأحاديث علمة "غسل الجمعة واجب"، والقائل بهذا يعرف بماذا يتكلم، ويعرف من يخاطب - ﵊-، ويدل للوجوب:
أولا: أن الرسول - ﵊- صرح به، ولو أن هذه العبارة في متن من متون الفقه ما توقف شارح المتن بأن المؤلف يرى الوجوب فكيف وهو حديث.
ثتانيا: أن الرسول - ﵊- علق الحكم بوصف يقتضي التكليف والإلزام وهو البلوغ.
ثالثا: الأوامر الأخرى: "إذا أتى أحدكم الجمعة فلغتسل". والأصل في الأمر الوجوب.
[ ١ / ٣٣١ ]
رابعا: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يخطب الناس يوم الجمعة، فدخل عثمان وهو يخطب غكأنه لامه على تأخره، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت. فقال: والوضوء أيضا! وقد قال النبي ﷺ: "إذا أتى أحدكم الجمعة فلغتسل"، فلامه على عذره، حيث إنه اقتصر على الوضوء، وتعلمون أن المتكلم عمر ﵁ خليفة المسلمين، والمخاطب عثمان أفضل الصحابة بعده، والجمع من؟ الصحابة - ﵃- فكيف يمكن لعمر أن يوبخ عثمان على الاقتصار على الوضوء في هذا الجمع العظيم، مع علو منزلته ﵁ لولا أن الاغتسال واجب؛ فالصواب عندي كالمقطوع به أن غسل الجمعة واجب على كل إنسان، وما تركته منذ علمت بهذا الحديث لا صيفا ولا شتاء، ولا حرا ولا بردا، ولا إذا كان في مرض يتحمل الاغتسال، وقلت هذا حتى أنني لا أشك في وجوبه، وأرى أنه لابد أن يغتسل الإنسان، وسبحان الله! ماذا يكون جوابنا لله رب العالمين يوم القيامة إذا قال: أبلغكم رسولي بأنه واجب؟
فنقول: لا ليس بواجب، قال: واجب لأنه مؤكد، هذا لا يمكن للإنسان، ليس جوابا صوابا.
فلو قال قائل: إذا كان واجبا فهل هو شرط لصحة الصلاة؟
فالجواب: لا، لدليلين:
الدليل الأول: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لم يلزم عثمان أن يذهب ويغتسل، ولو كان شرطا؛ لألزمه لأن معه وقت يدرك به الجمعة، يمكنه أن يذهب ويغتسل ويرجع ويصلي الجمعة.
الدليل الثاني: أن الله - ﷾- إنما جعل الغسل للصلاة من الجنابة، فقال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. فأوجب التطهر للصلاة من الجنابة فقط، وعليه فلو أن الإنسان ترك الغسل يوم الجمعة ثم صلى فهل نقول: إن صلاته باطلة؟ لا، نقول: صلاته صحيحة، ولكنه آثم لترك الغسل.
فإذا قال قائل: لو أنه نوى في غسل الجمعة من الجنابة وللجمعة أيجزئ أم لا؟
فالصواب: أنه يجزئ؛ لأنهما عبادتان من جنس واحد متفقتان في الهيئة والوصف فقامت إحداهما مقام الأخرى، ولكن لو أراد أن يفرد أحدهما بنية فهل ينوي الغسل من الجنابة ويجزء عن غسل الجمعة، أو بالعكس؟ الأول نقول: إذا كنت تريد أن تقتصر على نية واحدة فإنه غسل الجنابة؛ لأنك إذا نويت غسل الجنابة أديت ما يجب لأنه حصل المقصود بالاغتسال، لكن إذا نويت غسل الجمعة وأنت عليك جنابة فإنها لا تصلح لقول النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
[ ١ / ٣٣٢ ]
هناك قول آخر أشرنا إليه: وهو أنه لابد أن يغتسل للجنابة غسلا تاما، وللجمعة غسلا تاما، وهذا رأي ابن حزم ﵀، يقول: لأنهما طهارتان واجبتان اختلف سببهما فوجب أن يجعل لكل سبب طهارته، لكن الصحيح: الأول وهو أنه إذا نواهما جميعا حصلا، وإن نوى غسل الجنابة سقط به غسل الجمعة، وإن نوى غسل الجمعة لم ترتفع الجنابة؛ لأن هذا الغسل ليس عن حدث، وإنما هو واجب للجمعة لا لكونه عن حدث، وقد قال النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
لكن بعض العلماء يقول: إذا نسي الجنابة أو جهل واغتسل للجمعة ثم ذكر أو علم فإنه يجزئ؛ لأنه حينئذ معذور، لكن في نفسي من هذا شيء، والأولى أن يعيد الغسل، ويعيد الصلاة، والصلاة ستكون ظهرا.
نعود إلى القول بالوجوب والقول بالاستحباب - يعني: في الغسل- من العلماء من قال: إن هذا الحديث - حديث أبي سعيد- لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على التأكد، واستدلوا بحديث سمرة بن جندب قال:
١٠٧ - قال رسول الله ﷺ: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.
قوله - ﵊-: "من توضأ" "من" شرطية، أي إنسان يتوضأ "يوم الجمعة" للجمعة، "فبها" أي فبالرخصة أخذ، "ونعمت" أي: ونعمت الرخصة، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الطهارة، أي: فبالطهارة أخذ، "ونعمت الطهارة" أي: طهارة الوضوء.
قوله: "ومن اغتسل فالغسل أفضل" قالوا: إنه قال: الغسل أفضل، وهذا يدل على أن الغسل ليس بواجب؛ لأنه إن كان واجبا لم يقل إنه أفضل؛ ولكن هذا الحديث:
أولا: فيه مقال من ناحية السند فهو ضعيف من حيث السند، ومعلوم أنه لا يمكن لهذا الحديث الضعيف السند أن يقاوم حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه الأئمة كلهم.
ثانيا: أن هذا الحديث إذا تأملته لفظا وجدت لفظه ركيكا يبعد أن يصدر من النبي - ﵊-؛ لأن كلام الرسول - ﵊- علي طلاوة وحلاوة ورونق من
[ ١ / ٣٣٣ ]
حين ما تقرأه تعرف أنه كلام الرسول، لاسيما إذا كنت تكرر الأحاديث عن النبي ﷺ ويكثر عليك ورودها فإنك ربما تعرف الشأن من كلامه، كما أنك لو كنت معتادا أن تقرأ كلام عالم من العلماء لعرفت أنه كلامه وإن لم ينسب إليه إذا مر بك في موضع آخر، فالصواب: أن هذا الحديث في سنده مقال، فلا يثبت على قدميه فضلا عن أن يعارض حديث أبي سعيد الخدري.