٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قوله: "سمعته يقول: إن أمتي يأتون" والمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة؛ لأن الأمة يراد بها أمة الدعوة؛ يعني: الأمة التي وجهت إليها دعوة النبي ﷺ، وهذا يعم جميع الناس منذ بعث الرسول - ﵊- إلى يوم القيامة كلهم أمته، وأمة الإجابة وهم الذين استجابوا للرسول - ﵊-، فأمة الدعوة وجهت إليهم الدعوة فمنهم من آمن ومنهم من كفر.
وأمة الإجابة هم الذين استجابوا، فكل فضل ورد في الأمة - أمة النبي ﷺ- فإنه يحمل على أمة الإجابة؛ لأن أمة الكفر ليس لها فضيلة.
يقول: "يأتون يوم القيامة" أي: يوم يبعث الناس، وسمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله ﷿ كما قال الله تعالى: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين: ٦].
الثاني: أنه يقام فيه العدل لقول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا﴾ [الأنبياء: ٤٧].
[ ١ / ١٩٠ ]
والثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد كما قال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهد﴾ [غافر: ٥١].
"يأتون غرا" هذا حال من فاعل يأتون؟ والأغر: هو الفرس الذي في وجهه بياض، وقوله: "محجلين" أيضا حال أخرى، لكن التحجيل بياض يكون في الأرجل في أطرافها.
وقوله: "من أثر" (من) هذا للتعليل، "من أثر الوضوء" يجوز فيه الوجهان: الوضوء أي: الماء، والوضوء أي: الفعل وكلاهما صحيح، هذا لفظ النبي ﷺ وفي لفظ: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين"؛ ولا منافاة لأنهم يدعون فيأتون كما قال الله تعالى: ﴿كل أمة تدعى إلى كتبها﴾ [الجاثية: ٢٨]. "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، وهل يمكن أن يستطيل؟
يقول الن القيم ﵀: إنه لا يمكن إطالة الغرة؛ لأن الغرة بياض الوجه، والوجه محدود طولا وعرضا، فلا يمكن أن تطال الغرة، لو أنه خرج بالغسل عن حد الوجه لكان خرج إلى غير الغرة، ولهذا قال في النونية:
وإطالة الغرات ليس بممكن أيضا وهذا واضح التبيان
فكيف نقول: إن النبي ﷺ تكلم بما لا يمكن؟
الجواب: أن هذا مدرج من قول أبي هريرة ﵁، ولهذا جاءت رواية أخرى لهذا الحديث ليس فيها "فمن استطاع"، لكن أدرجه بعض الرواة.
وما قاله ابن القيم في هذا الحديث هو الصواب أنه مدرج، والله - ﷾- حدد الغسل - غسل الوجه- فقال: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]. ولو أنا خرجنا عن حد الوجه لكنا تعدينا عن الحد الذي حده الله ﷿، أخذ بعض العلماء بهذه الزيادة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله.
في هذا الحديث فوائد: أن هذه الأمة أمة محمد ﷺ تأتي يوم القيامة على هذا الوصف، وجوههم بيض نور يتلألأ، أيديهم كذلك، أرجلهم كذلك.
ومن فوائد الحديث: أن هذا النور والبياض يختص بأعضاء الوضوء فقط التي تغسل وهي الوجه واليدان والرجلان، وأما الرأس فمسكوت عنها؛ لأن الغرة لا تكون إلا في الوجه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم لما طهروا هذه الأعضاء في الوضوء امتثالا لأمر الله ﷿ وتأسيا برسول الله ﷺ كان جزاؤهم مثل العمل، ولهذا تجدون في القرآن الكريم آيات كثيرة ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧]. وأمثال ذلك إشارة إلى أن الجزاء
[ ١ / ١٩١ ]
من جنس العمل، ولكن الله ﷿ بفضله ورحمته جعل الجزاء في الحسنات أكثر من العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة هذه الأمة حيث تأتي يوم القيامة على هذا الوجه الذي يشهد به الأولون والآخرون من عمل مضى في حين من الدهر سابق بعيد، فيأتون على هذا الوجه - جعلنا الله وإياكم منهم- ففيه فضيلة لهذه الأمة، ولهذا جاء في الحديث "سيما ليست لغيركم" وذكر الحديث، "سيما" يعني: علامة، والحمد لله.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الوضوء؛ حيث كان جزاؤه يوم القيامة ظاهرا بارزا للخلائق.
ومن فوائد هذا الحديث على ما ذهب إليه بعض العلماء: أنه ينبغي أن يزيد على محل الفرض لتزيد الغرة والتحجيل، وهذا القول ليس له حظ من النظر في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأن الناس سيأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، والوضوء محدد بالقرآن: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. يعني: لو أن إنسانا خرج وزاد إلى نصف العضد أو إلى الكتف ما كان للوضوء محل؛ إذ أن الوضوء محدد بالمرافق، وفي الرجلين محدد بالكعبين، فلا نقول: توضئوا إلى الركبتين؛ لأن الوضوء محدد، فالحديث لا يقتضي زيادة ولا يدل على فضيلة الزيادة، وبهذا نعرف أن قوله: "فمن استطاع منكم " إلخ. مدرج ولا يستقيم لكنه قد ثبت عن أبي هريرة ﵁ "أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضد وغسل رجليه حتى أشرع في الساق، وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل"، وهذا مرفوع لكن هل إشراعه في العضد إشراع زائد أو على قدر ما يتأتى به الفرض؟ الثاني هو المتعين؛ لأنه لا يمكن أن يجزم بأنه غسل المرفق إلا إذا غسل بعض العضد، وكذلك في الكعبين لا يمكن أن يتيقن أنه غسلهما إلا إذا شرع في الساق، وما ذكرناه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعني: أنه لا تسن الزيادة على موضع الفرض في الوضوء.