المبحث الأول: هل للحيض سن معينة في ابتدائه وانتهائه؟
هذه المسألة اختلف فيها العلماء - ﵏ - فمنهم من قال: إن الحيض له سن معين ابتداءً وانتهاءً، ولكن الصواب أنه ليس له سن معين؛ لأن النساء تختلف فقالوا: ابتداؤه إذا تم للأنثى تسع سنوات، وما قبل التسع فليس بحيض، وانتهاؤه إذا تم لها خمسون سنة، فما بعد الخمسين ليس بحيض، حتى لو أن الدم استمر معها بعد الخمسين على وتيرة واحدة باللون والرائحة، وكل طبيعة الحيض، فإنه لا يكون حيضًا فيجب عليها الصلاة والصيام ولا تنتهي به العدة، والصحيح أنه لا حد لذلك لا ابتداء ولا انتهاء؛ لأن الله - ﷾ - قال: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وأطلق وكذلك السنة جاءت بذلك مطلقة، وأي شيء يأتي في القرآن والسنة مطلقًا فإن تحديده بحكم يحتاج إلى دليل في هذا، وفي غيره
[ ١ / ٣٨١ ]
كل من حدد شيئًا مطلقًا في الشرع - أعني: في الكتاب والسنة - فإنه يحتاج إلى دليل وهذا له أمثلة: منها: الحيض، ومنها: الماء هل ينجس أو لا ينجس إذا بلغ قلتين، أو أقل، ومنها: السفر هل له مدة معينة، هل له مسافة معينة.
المبحث الثاني: هل للحيض مدة معينة في أقله وأكثره؟
في هذا خلاف أيضًا، فمن العلماء من قال: له مدة في أقله وأكثره، أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا، وقال بعض العلماء: لا حد لذلك؛ لأن النصوص الواردة في الحيض مطلقة لم تحدد زمنًا معينًا، ولا شك أن هذا القول أصح وأريح للنساء؛ لأن القائلين بتحديد المدة يتعبون النساء يقولون: إنه لابد أن يتكرر ثلاث مرات من غير أن يختلف، فإن اختلف فما تكرر ثلاثًا فهو حيض، وما بعده فليس بحيض حتى يتكرر ثلاثًا، وله في ذلك تفاصيل، حتى إن بعض العلماء جعل باب الحيض مائة وخمسين صفحة لكثرة التفاريع التي ليس عليها سلطان.
فالصواب: أن الحيض دم معروف متى وجد ثبت حكمه، ومتى انتفى انتفى حكمه، لكن إذا طرأت عليه الزيادة على خمسة عشر يومًا فهنا ينبغي أن نقول: ما زاد على الخمسة عشر يومًا فإنه استحاضة؛ لأنه استوعب أكثر الزمن فيكون استحاضة، ترجع بعد ذلك إلى عادتها، أما لو كان من أول الأمر يأتيها الحيض لمدة سبعة عشر يومًا فكله حيض إذا استمر كذلك إذا علمنا أن الزائد على خمسة عشر كان نتيجة تأخر الحيض؛ لأن بعض النساء كما حدثتكم يتوقف عنها الحيض لمدة ثلاثة أشهر، أو أربعة، ثم يأتيها الحيض شهرًا كاملًا هذه كل شهرها حيض؛ لأننا نظرنا إلى القرينة فوجدناها تدل على أن الحيض بقي في الرحم، وانحبس ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، ثم خرج مرة واحدة.
المبحث الثالث: الاستحاضة إذا طرأت على المرأة فماذا تصنع؟
ذكر المؤلف ﵀ حديث عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ كانت تستحاض وقد شرحناه، وقلنا: إن العلماء - ﵏ - اختلفوا في حكمه، فمنهم من قال: إن هذا الحديث في المبتدأة، ما معنى المبتدأة؟ يعني: التي أتاها الحيض أول مرة واستمر معها فهذه ترجع إلى التمييز - يعني: الدم - هل يختلف أو لا يختلف، فإذا كان بعض دمها يتميز عن الآخر فما كان له صفات الحيض فهو حيض، وما لم يكن له صفات الحيض فليس بحيض، فما هي العلامات؟ ذكرناها فيما سبق: الحيض أسود غليظ له رائحة منتنة، ولا يتجمد كما ذكره بعض العلماء المعاصرين، فهذه نقول: ترجع إلى التمييز، لكن لو كان التمييز يزيد على خمسة عشر يومًا، ويزيد وينقص حينئذٍ يكون ما زاد على خمسة عشر يومًا حكمه حكم الاستحاضة، كما لو لم تكن مستحاضة أصلًا وهذا الذي ذكرته في أن فاطمة ﵂ كانت مبتدأة، وأن المبتدأة تعمل
[ ١ / ٣٨٢ ]
بالتمييز وهو مذهب الإمام أحمد ﵀، وعنه رواية أخرى: أنها تعمل بالتمييز حتى ولو كانت معتادة، يعني: فيرجع إلى التمييز مطلقًا، إذن مذهب الشافعي ورواية عن أحمد أن المستحاضة تعمل بالتمييز سواء كانت معتادة أو غير معتادة، يعني: سواء سبق لها الحيض المعتاد أو لا، وعللوا ذلك بأن هذا الحديث مطلق ما فيه أن فاطمة كانت معتادة أو غير معتادة، وعللوا أيضًا بأنه لعلها اختلفت عادتها لما استحيضت، يعني: قد تكون عادتها ستة أيام أو سبعة في أول الشهر، ولما استحيضت صار الدم المتميز خمسة أيام في وسط الشهر فتغير في العدد وتغير في المكان فقالوا: ربما يكون تغيره بسبب الاستحاضة.
ويظهر أثر الخلاف في امرأة معتادة تحيض ستة أيام من أول كل شهر، هذه عادتها ثم طرأت عليه الاستحاضة، وكان لها تمييز خمسة أيام في آخر الشهر فهنا تعارض عندنا عادة وتمييز، فمن العلماء من قال: نقدم التمييز وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الشافعي، ومنهم من قال: نقدم العادة لما سيأتي - إن شاء الله - في الأحاديث.
أما الأولون فعللوا ذلك بأنه ربما يختلف محل الحيض بسبب الاستحاضة، ربما يكون الحيض فيما سبق من أول الشهر، والآن تأخر إلى آخر الشهر لوجود هذا المرض، وهو الاستحاضة.
وأما الذين قالوا: تغلب العادة فقالوا: إن هذا مقتضى الحديث الآتي إن شاء الله وقالوا: إن هذا أضبط وأريح للمرأة أن يقال: اجلسي عادتك وما زاد على ذلك فهو استحاضة، سواء كان أسود أو غير أسود، ولا شك أن هذا أريح للمعتادة، أما المبتدأة فنعم التمييز لابد من العمل به.