٧٣ - وعن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ احتجم وصلى، ولم يتوضأ". أخرجه الدارقطني، ولينه.
"احتجم" الاحجام: إخراج الدم من الجسم بصفة مخصوصة، ولابد فيه من حذف الحاجم وإلا كان على خطر، الصفة المعروفة في عهد النبي - ﵊- وإلى عهد قريب: أن الحاجم يشرط الجلد في موضع معين، ثم يضع عليه قارورة لها أنبوبة صغيرة، ثم يجذب الهواء حتى يفرغ القارورة، ثم يسد فم الماسورة الصغيرة فتبقى القارورة مفرغة من الهواء، وإذا بقيت مفرغة من الهواء لصقت بالمكان، ثم بدأ الدم يخرج، فإذا امتلأت القارورة انتهى التفريغ وسقطت وهي مملوءة من الدم.
[ ١ / ٢٧٥ ]
والحجامة توع من أنواع الدواء كما ثبت عن النبي - ﵊-: "إن كان الشفاء في شيء ففي ثلاث" وذكر منها "شرطة محجم". يعني: الحجامة، والحجامة لا شك أنها تخفف البدن، وأن من اعتادها فإنه لا يمكن أن يخف بدنه إلا باستعمالها، وأما من لم يستعملها أصلا فإنه لا يتأثر بعدمها، وكان النبي ﷺ يحتجم أحيانا في رأسه، وأحيانا على كاهله حسب ما تقتضيه الحاجة.
وقوله: "احتجم وصلى ولم يتوضأ" يعني: لم يتوضأ للصلاة، وأتى المؤلف ﵀ بهذا الحديث ليفيد أن إخراج الدم من البدن لا ينقض الوضوء، ومعلوم أن الحجامة يخرج بها دم كثير، لكن هذا الدم وإن كان كثيرا لا ينقض الوضوء، دليل ذلك: أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ.
في هذا الحديث فوائد منها: استعمال الحجامة، وهل هو جائز أو مستحب أو حرام؟
نقول: هاذ الحديث يدل على جوازه، فيبقى الأمر دائرا بين أن يكون مستحبا أو أن يكون حائزا على وجه الإباحة؛ يعني: مستوى الطرفين، فنقول: إذا كان الإنسان يحتاج إليه كان مستحبا اقتداء بالرسول ﷺ، وإذا لم يحتج إليه نظرنا إن كان يضره إخراج الدم كان حراما، وإن كان لا يضره كان مباحا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحجامة لا تنقض الوضوء لقوله: "احتجم وصلى ولم يتوضأ"، وهل يقاس عليها ما يخرج من الجروح من الصديد والماء وما أشبه ذلك؟
الجواب: نعم، يقاس عليها وأولى؛ لأن كثيرا من العلماء يقولون: عن دم الآدمي نجس، وإن الصيد الذي يخرج من جروحه ليس بنجس؛ لأنه استحال إلى صديد، وعلى هذا نقول: يلحق بها ما يخرج من الجروح من الصديد والمياه التي تخرج بسبب الاحتراق وما أشبه ذلك.
وهنا سؤال: هل نحتاج على ذكر أن الحجامة لا تنقض الوضوء؟ لا نحتاج؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، والذي يقول: إنها تنقض الوضوء هو المطالب بالدليل، ولكن إذا جاء الدليل مؤيدا الأصل كلن هذا نورا على نور.
فيستفاد من هذا الحديث: أن خروج الدم وإن كان كثيرا لا ينقض الوضوء، وهذا القول هو الراجح، وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان كثيرا نقض الوضوء، وإن كان قليلا لم ينقض وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة - ﵏-، ولكن هذا القول مرجوح، والصواب: أن
[ ١ / ٢٧٦ ]
جميع ما يخرج من البدن لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين أو ما كان قائما مقامه مثل أن يعالج الرجل بعملية يجعل في مثانته أنبوب يخرج منه البول، فهنا نقول: البول الخارج من المثانة عن طريق هذا الأنبوب يكون ناقضا للوضوء، وأما ما خرج - يعني: من غير البول، والغائط- فإنه لا ينقض الوضوء ولو كثر.