من حكمة الله ﷿ أنه جعل لذكره أسبابا حتى يستيقظ الإنسان وينتبه لذكر الله، لأن الإنسان قد تستولي عليه الغفلة وينسى ذكر الله، فيجعل الله تعالى لذكره أسبابا كثيرة: دخول المنزل فيه ذكر، الخروج من المنزل فيه ذكر، لبس الثوب الجديد فيه ذكر، الأكل فيه ذكر، التخلي من الأكل فيه ذكر؛ حتى يكون الإنسان دائما على صلة بالله ﷿ يذكر الله - ﵎-، وهذا في الحقيقة إنما يحصل لمن يذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه، فأما الذي يذكر الله باللسان والجوارح دون القلب، فإن هذه الفائدة العظيمة تفوته، أسأل الله أن يوقظنا وإياكم من الغفلة؛ لذلك نجد أن الشارع شرع لنا عبادات حتى عند التخلي من الأكل والشرب فضلا عن الأكل والشرب؛ لأن التخلي عن الأكل والشرب نعمة عظيمة لا يدرك نعمة الله علينا بها إلا من فقدها، لو احتبس بول الإنسان لكان يفدي ذلك بالدنيا كلها، أو احتبس غائطه، أو احتبست الريح لتعب تعبا عظيما، ولسلك كل واد ليصل إلى طبيب لينقذه من ذلك، فنعمة الله علينا بالتخلي من الأكل والشرب لا شك أنها عمة عظيمة، له علينا أن نشكره - ﵎- عليها، ثم هذا التخلي هو عن طعام وشراب، طعام وشراب من أين جاء؟ من الله ﷿ ﴿أفرءيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نخن الزرعون﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، الجواب: أنت يا بنا الذي زرعت هذا، ولولا أن الله تعالى زرعه ما نما، قال تعالى: ﴿لو نشاء لجعلنه حطما﴾ [الواقعة: ٦٥]. ولم يقل: لو نشاء لم نخرجه؛ لأنه إذا نما وكمل ولم يبق إلا حصاده ودياسه ثم صار حطاما صار أشد حرمانا وأشد حسرة، وتأمل الآيات لم يقل: لو نشاء لم ننبته أو لم نزرعه، قال: ﴿لو نشاء لجعلنه حطما﴾، يعني: بعد أن يخرج وينمو ويشاهده الإنسان وتتعلق نفسه به يجعله الله حطاما وصدق الله العظيم لو شاء لجعله حطاما، وكم من زروع صارت حطاما بعد أن استكملت ونمت يرسل الله عليها رياحا وبردا من السماء فيتلفها.
الشراب أيضا ﴿أفرءيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩].
[ ١ / ٢٨٠ ]
الجواب: قال الله ﷿ ﴿لو نشاء جعلنه أجاجا﴾ [الواقعة: ٧٠]. وإذا جعله الله أجاجا لا يمكن أن نشربه مع أنه بين أيدينا، ولم يقل: لو نشاء لم ننزله؛ لأن كون الماء بين أيدينا ولا نستطيع شربه أشد حسرة مما لم نجده.
فالحاصل: أن نعم الله عليك بالتخلي من الطعام والشراب لابد أن تذكر نعمة الله عليك بتحصيل الطعام والشراب، كم من أناس لم يحصلوا عليه إما قدرا وإما شرعا، حرم على بني إسرائيل طيبات أحلت لهم فمنعوا من ذلك شرعا مع أنها طيبة، ويمرض الإنسان ويقال: لا تأكل اللحم الفلاني، أو الطعام الفلاني فيحرم منها قدرا، فهذه من نعمة الله أن الله يسر الطعام والشراب وأحله لك، ومكنك منه هذه نعم، ولو أردنا أن نعد نعم الله علينا - ﷾- في هذا لبلغ المئات، حتى قيل: إنه لا يمكن أن يوضع الطعام بين يديك إلا والله تعالى فيه أكثر من ثلاثمائة نعمة، ولكننا في غفلة عن هذا، لذلك احتاج العلماء - ﵏- إلى أن يذكروا آداب قضاء الحاجة، ومعنى قضاء الحاجة يعني: "التخلي عن الأكل والشرب"، لكن من الأدب في الألفاظ أن يكني الإنسان عن الشيء الذي يستحيا من ذكره بما يدل عليه، وهو إذا كنى بما يدل عليه صار حقيقة فيه، وإلا لو رجعنا إلى جانب قضاء الحاجة ماذا تشمل؟ تشمل الذي يذهب يشتري له طعاما أو يشتري شيئا لأهله، لكن لما اصطلح على هذا التعبير صار حقيقة في البول والغائط، إذن قضاء الحاجة مرادفة لأي شيء؟ للتخلي من الطعام، وهو البول والغائط، له آداب قولية ول آداب فعلية عند الدخول وعند الخروج وعند الجلوس، قال المؤلف: