بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون.
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد أشرت فى حديث سابق إلى أن اللَّه ﵎ خص أيام التشريق وهى الأيام الثلاثة التى تلى يوم النحر بذكره وشكره وإن كان سوقُ الحج كلُّه إنما قام لذكر اللَّه تعالى وشكره كذلك وفى ذلك يقول اللَّه ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: الأيام المعدودات هى أيام التشريق. وسميت أيام التشريق لأن العرب كانوا يشرقون فيها لحوم الهدايا والأضاحى أى يُقَدِّدونها أو لأن الهدى لا ينحر حتى تشرق الشمس وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث نُبيْشَةَ الهذلى ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر اللَّه" وقد أشار اللَّه ﵎ إلى أن أيام التشريق أيام
[ ٤ / ٢٦٤ ]
ذكر للَّه ﵎ فى مواضع من كتابه الكريم كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وكقوله ﷿: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ وكما قال اللَّه ﷿: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وكما قال اللَّه ﷿: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وذِكرُ اللَّه ﵎ فى هذه الأيام يتمثل فى رمى الجمار الثلاث التى جعلتها الشريعة الإِسلامية من مناسك الحج وواجباته فإنها أوجبت على الحاج أن يبيت بمنى ليلتين بعد العيد إن تعجل وثلاث ليال إن تأخر وأوجبت عليه أن يرمى الجمار الثلاث بعد الزوال كل يوم من اليومين الأولين من أيام التشريق إن تعجل وفى الثالث كذلك إن تأخر وإنما كان رمى الجمار ذكرًا للَّه ﷿ لأن هدى رسول اللَّه ﷺ فى رمى الجمار أنه كان يذكر اللَّه ﷿ عند كل حصاة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى
[ ٤ / ٢٦٥ ]
فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع حصيات يُكبِّر مع كل حصاة ثم قال: هكذا رمى الذى أنزلت عليه سورة البقرة يعنى رسول اللَّه -ﷺ- كما أوضح رسول اللَّه -ﷺ- أن رمى الجمار إنما جعل لإِقامة ذكر اللَّه ﷿ فقد روى الترمذى وقال: حديث حسن صحيح من حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: إنما جعل رمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة لإقامة ذكر اللَّه. كما روى مالك فى الموطأ من طريق نافع أن ابن عمر ﵄ كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفا طويلا يكبر اللَّه ويسبحه ويحمده ويدعو اللَّه ولا يقف عند جمرة العقبة كما روى البخارى من طريق سالم عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمى الوسطى بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة ثم يأخذ بذات الشمال فيُسْهِل ويقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمى جرة ذات العقبة من بطن الوادى بسبع حصيات يكبر عند كل حصاة ولا يقف عندها. وقد أوضح اللَّه ﵎ فى كتابه الكريم أن رمى الجمار الثلاث يكون فى ثلاثة أيام وهى التى تلى يوم النحر وأما من تعجل ورمى فى يومين فقط فلا حرج عليه، حيث يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ وصرح بذلك رسول اللَّه
[ ٤ / ٢٦٦ ]
-ﷺ- فقد روى أحمد فى مسنده وأصحاب السنن من حديث عبد الرحمن ابن يَعْمَرَ الدِّيلى ﵁ قال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "أيام منى ثلاثة فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه. كما روى أحمد من حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهى أيام أكل وشرب وذكر اللَّه" وقد حدَّد رسول اللَّه -ﷺ- الوقت الذى ترمى فيه الجمار من أيام منى بعد يوم النحر وأنها لا ترمى إلا بعد زوال الشمس فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى ﵄ قال: رمى رسول اللَّه -ﷺ- الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس" كما روى البخارى من طريق وَبَرَةَ ﵀ قال سألت ابن عمر ﵄ متى أرمى الجمار؟ قال: إذا رَمَى إمَاْمُك! فأعدت عليه المسألة فقال ﵁: كنا نَتَحيَّن فإذا زالت الشمس رمينا". وقد أجاز رسول اللَّه -ﷺ- لمن كان معه طفل صغر مُحْرِمٌ بالحج أن يرمى عنه الجمار بعد أن يرمى عن نفسه فقد روى ابن ماجه من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى ﵄ قال: حججنا مع رسول اللَّه -ﷺ- ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، وأما من عجز عن الرمى لمرض أو كبر سن أو أن تكون المرأة حبلى وتخاف على نفسها أى جنينها فإنه يجوز لكل واحد من
[ ٤ / ٢٦٧ ]
هؤلاء أن يوكِّل من يرمى عنه الجمرات على أن يقوم الوكيل بالرمى عن نفسه ثم يرمى عن موكله. ولا حرج على الوكيل أن يرمى عن موكله بعد أن يرمى عن نفسه وهو فى نفس مكانه فيرمى عن نفسه الجمرة الأولى التى تلى مسجد الخيف بسبع حصيات ثم يرميها عن موكله بسبع حصيات كذلك وهو فى محله ولا حرج عليه فى ذلك ثم إذا رمى الجمرة الوسطى عن نفسه رمى عن موكله كذلك ثم إذا رمى جمرة العقبة عن نفسه رمى عن موكله كذلك. ويجوز للوكيل أن يرمى عن أكثر من شخص ما دام الذى وكَّله عاجزا عن الرمى بنفسه. ولا يشرع رمى الجمار بحصى كبار أو رميها بنعل ونحوه لأن ذلك لم يرد عن رسول اللَّه -ﷺ- ولا عن أحد من أصحابه ﵃ أجمعين ولأنه قد يسقط على أحد الحجاج فيؤذيه كما أنه لم يرد عن رسول اللَّه -ﷺ- ولا فى أحد من أصحابه -﵃- أنهم كانوا يلعنون الجمرة عند رميها. وقد ثبت أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يرميها بمثل حمى الخَذْف وهى حصى صغار أكبر من الحمصة قليلا. فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال رأيت رسول اللَّه -ﷺ- رمى الجمرة بمثل حصى الخذف. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ٢٠/ ١١/ ١٣٩٥ هـ
[ ٤ / ٢٦٨ ]