بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
أما بعد:
فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى ذر -﵁- قال: قلت: يا رسول اللَّه أى مسجد وضع أوّل؟ قال: "المسجد الحرام"! قلت: ثم أى؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" قلت: ثم أى؟ قال: "حيث أدركتك الصلاةُ فصل، فكلُّها مسجد".
أيها المستمعون الكرام: لا تعرف الإِنسانية مكانا فى الأرض سوى الكعبة البيت الحرام أكبره اللَّه ﵎ فى قلوب عباده، وأوقع فى نفوسهم هيبته، وعظَّم بينهم حرمته، وجعله قياما للناس وسببا من أعظم أسباب صلاح معاشهم ومعادهم، ودنياهم وآخرتهم، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم، واختاره
[ ٤ / ٢٣٥ ]
منطقة أمان للإنسان والطير والحيوان، وفرض عليهم حجه وربطه بإِبراهيم خليل الرحمن وأبى الأنبياء، وأبقى أثره فيه، تهوى إليه أفئدة الناس، تلتمس بمسعاها إليه علو الدرجات، وتكفير الخطيئات وزيادة الكرامات وإلى ذلك كله يشير رب العالمين حيث
يقول: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وكما قال ﷿: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ وكما قال ﷿: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ولعظم حرمة هذا البيت العتيق جعل اللَّه ﵎ لمن حجه ميقاتا زمنيا لا يصح الإِحرام إلا فيه وهو شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة كما أحاطه الرب ﵎ بمنطقة شاسعة حدَّد فيها أماكن حرَّم على من يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزها. دون أو يكون محرما. وهى لجميع من يمر عليها من أهل الدنيا سواء كان قريب الدار من هذه المواقيت أو كان بعيدا عنها ويمر بها فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: "وقَّت رسول اللَّه -ﷺ- لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة
[ ٤ / ٢٣٦ ]
فمن كان دونهن فمُهَلُّه من أهله. وكذاك، وكذاك، حتى أهل مكة يُهلُّون منها" وقد وقَّت عمر بن الخطاب ﵁ ذات عرق لأهل العراق فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال لما فُتِحَ هذان المصران (يعنى البصرة والكوفة) أَتَوا عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين. إن رسول اللَّه -ﷺ- حدَّ لأهل نجد قرنا وأنه جَورٌ عن طريقنا. وإن أردنا أن نأتى قرنا شق علينا. قال عمر ﵁: فانظروا حَذْوَهَا من طريقكم، قال: فحدَّ لهم ذات عرق" وبهذا تبين أنه لا يلزم من كان طريقه على غير طريق هذه المواقيت أن يأتيها ليحرم منها بل يكفيه أن يحرم من مكان يقابلها من طريقه، ولا يتجاوز ذلك بأية حال من غير إحرام ما دام يريد الحج والعمرة ولا فرق فى ذلك كذلك بين أن يكون طريقه بحريا أو بريا أو جويا، وأنَّ من كان فى المدينة المنورة مثلا وأراد الحج والعمرة لا يجوز له أن يتجاوز ذا الحليفة، وهى آبار علي بدون إحرام سواء كان مدنيا أو شاميا أو مصريا أو مغربيا أو أوربيا أو أمريكيا أو يابانيا أو هنديا أو أفريقيا. وكذلك من أتى من طريق نجد وكان مروره على ميقات نجد وهو قرن أو مر على طريق يلملم أو جاء من البحر عن طريق الجحفة ومكانها الذى اختير هو رابغ: ومن جاء من الحجاج أو العمار من أى طريق من هذه الطرق كانت مواقيتها هى ميقاته بقطع النظر عن جنسه أو البلد الذى قدم فى
[ ٤ / ٢٣٧ ]
الأصل منه. لما روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من قول رسول اللَّه -ﷺ- عن هذه المواقيت: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة" وإذا كان طريقه يمر بميقاتين كمن يتوجه من المدينة عن طريق آبار علي ورابغ فلا يحل له أن يتجاوز الأول منهما بدون إحرام لأن ميقاته صار هو الأول لمروره عليه. فإذا تجاوز الميقات بدون إحرام رجع وأحرم من الميقات. أما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات ليحرم منه فإنه يلزمه دم عند أكثر علماء الإسلام. أما من كان مَسكَن أهله ومنزله داخل هذه المواقيت أى أقرب إلى مكة منها فميقاته من حيث عزم على الحج أو العمرة لقول رسول اللَّه -ﷺ- "ومن كان دون المواقيت فميقاته من حيث أهل، حتى أهل مكة من مكة". والإِنسان مخير عند الإِحرام بين الأنساك الثلاثة وهى إفراد الحج أو التمتع أو القرانُ فإن شاء أحرم بالحج مفردا وإن شاء تمتع بالعمرة إلى الحج، وإن شاء قرن بين الحج والعمرة. وهذه الأنساك الثلاثة هى التى عرفها أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ولم يحجروا على أحد فى اختيار نوع منها وقد فعلوها مع رسول اللَّه -ﷺ- ورضى اللَّه عنهم.
فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه -ﷺ- عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- عام حجة الوداع فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل
[ ٤ / ٢٣٨ ]
بالحج وأهل رسول اللَّه -ﷺ- بالحج، قأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر" فالذى يهل بالحج وحده يسمى مفردا، والذى يهل بالعمرة فى أشهر الحج ثم بعد الانتهاء من أعمالها يتحلل ويقيم بمكة حلالا حتى يحج من سنته هذه يسمى متمتعا. أما القارن فهو الذى يجمع فى نيته بين الحج والعمرة. ولا فرق فى العمل بين المفرد والقارن فإن أداء النسك للمفرد كأدائه للقارن تماما لا يختلفان فى شئ إلا أن المفرد عند التلبية يقول: لبيك اللهم حجا. والقارن يقول: لبيك اللَّه حجا وعمرة. وكذلك فإن المفرد لا يجب عليه هدى بخلاف القارن فإنه يجب عليه الهدى. أما سائر الأعمال فإنه لا فرق فيها بين المفرد والقارن فالذى يعمله المفرد من وقت إحرامه إلى وقت تحلله هو عين ما يفعله القارن من وقت إحرامه إلى وقت تحلله.
وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ١٦/ ١١/ ١٣٩٥ هـ.
[ ٤ / ٢٣٩ ]